معضلة الهوية المؤسسية: هل تستطيع "الدولة الإيديولوجية" البقاء خارج ديمومة الصراع؟
تستند جودة القوانين والأنظمة السياسية إلى مدى توخيها للمعايير الدستورية الصارمة؛ فنظام الحكم يمثل في أصله المفهومي الأكاديمي مجموع الفاعلين والمؤسسات السياسية المعترف بها محلياً ودولياً والتي تشكل الحكومة وتنظم آليات ممارستها للسلطة. وفي الهرم التشريعي الحديث، يظل الدستور—وهو المصطلح ذو الجذور الفرنسية واللاتينية (Constitutio) التي امتدت تاريخياً من التشريعات الإمبريالية الرومانية (Edicta وMandata) وصولاً إلى المراسيم البابوية الكنسية—هو الوثيقة المرجعية الحاكمة لشكل الدولة، ونوع نظامها، وحدود الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) لحماية حقوق الأفراد وضمان عدم تغول السلطة.
لكن الشاهد الجيوسياسي يوضح ظاهرة تفكك المعايير الدستورية التقليدية عندما تُصمم الهوية المؤسسية للدولة على أساس أيديولوجي إقصائي بدلاً من العقد الاجتماعي المواطني. يظهر ذلك بوضوح في المقارنة المؤسسية بين القوانين القومية الضيقة—مثل قانون "قومية الدولة" الإسرائيلي—وبين الهيكلية الدستورية لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران.
أزمة التكوين: بين الدولة والديوان الأيديولوجي
منذ تشكل النظام الإيراني، بُنيت شرعية الدولة على مفهوم العقد العقائدي بدلاً من المفهوم العقلاني للدولة الوطنية الحديثة. وقد انطوى التعديل الدستوري الهيكلي على إلغاء منصب رئيس الوزراء ودمج صلاحياته التنفيذية في رئاسة الجمهورية، مع تعزيز الهيمنة المطلقة لمقام "المرشد الأعلى" عبر ولاية الفقيه الإثني عشرية، مما جعل المنصب المرجعية الناهية للسياسات الداخلية والخارجية على السواء.
إن المشكلة البنيوية في هذا النموذج تتلخص في أن المادة الـ154 من الدستور الإيراني تنص صراحة على دعم "النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين" في أي نقطة من العالم، وهو ما تُرجِم عملياً في أدبيات النظام باستراتيجية "تصدير الثورة". يترتب على هذا التكييف القانوني نتيجة مركزية: شرعية النظام لا تستمد استقرارها من الرفاه الاجتماعي والإنتاج الاقتصادي، بل من استدامة حالة التأزم الخارجي وتوظيف الفوضى الإقليمية كأداة للتحكم.
استراتيجية المواجهة: التحييد العاطفي والواقعية السياسية
أشار صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بدقة إلى استحالة بناء حوار متكافئ مع نظام يرى في عقيدته التوسعية واجباً ممتداً. ومن هذا المنطلق، تخضع إدارة الصراع مع هذا النموذج لمنطق عقلاني يعتمد محورين أساسيين:
* تحييد البُعد العاطفي والمذهبي: تفكيك الخطاب الديني الراديكالي وحرمانه من الهيمنة على العقل الجمعي، من خلال تعزيز قيم الدولة الوطنية، وسيادة القانون، والعقلانية السياسية التي ترعى مصالح الأفراد بعيداً عن الاستقطاب الطائفي.
* إعادة تشكيل الأدوات الإعلامية والثقافية: خوض معركة القوة الناعمة برؤية حديثة تعتمد التحليل الموضوعي وتعرية التناقضات البنيوية داخل النموذج الأيديولوجي.
هشاشة الداخل الإيراني وتوازنات ردع واشنطن
على الرغم من التمدد الإقليمي ونفوذ المليشيات التابعة لما يسمى "محور المقاومة"، تظهر السياسة الداخلية الإيرانية حالة متقدمة من الإنهاك الهيكلي. إن التركيز على التمدد الخارجي جاء على حساب التنمية المحلية والنية التحتية للاقتصاد، مما جعل الدولة تشبه "هشاشة الزجاج" أمام أي صدمات هيكلية متتالية.
وفي السياق الدولي، جاءت الشروط الـ12 التي طرحتها وزارة الخارجية الأمريكية عبر "ميك بومبيو" لتضع النظام الإيراني أمام خيارين أحلاهما مرّ:
* الخيار الأول: الرضوخ الشامل للمطالب الدولية
يتطلب هذا الخيار كفّ اليد عن التدخل في الشؤون العربية، وتفكيك البرنامج النووي والصاروخي، والتخلي عن دعم المليشيات. لكن هذا المسار يُفرغ نظام "ولاية الفقيه" من مبرر وجوده الوظيفي والأيديولوجي، ويضع الاقتصاد والتنظيم الداخلي في مواجهة مباشرة مع مطالب الشعب الإيراني التواق للتنمية والحرية، مما يمهد لإنهاء العقد الأيديولوجي لصالح دولة مواطنة حديثة.
* الخيار الثاني: الاستمرار في المكابرة والوصول لـ "نقطة الصفر"
يؤدي الإصرار على المواجهة إلى عزل الاقتصاد الإيراني تماماً عن النظام المالي العالمي. ومع تراجع سعر صرف الريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة وتجاوزه حاجز الـ 42,000 ريال للدولار (وفق السعر الرسمي المعتمد من البنك المركزي الإيراني)، فإن الانكماش لا يقف عند حدود المال والأعمال، بل يمتد لإنتاج حالة من التراجع الحضاري والمؤسسي الشامل.
البُعد الجيوسياسي الدولي
إن التشدد الأمريكي تجاه الملف الإيراني لا يتعلق فقط بأمن منطقة الخليج العربي، بل يرتبط بتوازنات القوى الكبرى في جنوب شرق آسيا منعاً لانتشار السلاح النووي، إلى جانب ملفات التنافس الاستراتيجي والاقتصادي مع الصين.
القراءة التحليلية لتوازنات الهيكلية الإيرانية
عند تفكيك المشهد الإيراني من منظور نقدي متوازن، تتضح الازدواجية التي تحكم أداء هذا النظام عبر ثلاثة محاور رئيسية:
فمن حيث الشرعية المؤسسية، يعاب على النموذج ارتهان الدولة لمبدأ الولي الفقيه وتهميش مؤسسات القانون المدني لصالح سلطة دينية مطلقة؛ غير أن هذا المبدأ يمنح النظام تكتيكياً قدرة عالية على التعبئة العقائدية وحسم القرار السياسي بسرعة في لحظات الأزمات الكبرى.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، يتجلى الخلل البنيوي في الاعتماد على تصدير الفوضى وتأيج الصراعات الإقليمية لاستنزاف الخصوم؛ إلا أن هذه الاستراتيجية أتاحت للنظام، تكتيكياً، بناء نفوذ جيوسياسي متمدد وبكلفة اقتصادية ومباشرة منخفضة عبر توظيف الوكلاء والمليشيات العابرة للحدود.
أما في الملف الاقتصادي والتنموي، فإن الثمن الباهظ للخيارات الأيديولوجية يظهر في استنزاف الموارد الوطنية وخنق الاقتصاد تحت وطأة العقوبات وانهيار العملة؛ بينما يحاول النظام التكيف مع هذا الواقع عبر تطوير قدرات محدودة لاقتصاد الاكتفاء الذاتي الموازي، والذي تديره شبكات ومؤسسات تابعة للمؤسسة العسكرية والأمنية.
الخلاصة
لا يمكن للنظم السياسية ذات الهويات الأيديولوجية الراديكالية أن تطور نموذجاً مستداماً للرفاه والاستقرار ما لم تخضع لمراجعة شاملة لمفاهيم السيادة والمواطنة. إن معالجة الملف الإيراني تتطلب استراتيجية متكاملة توازن بين الردع الاقتصادي، والدبلوماسية الواقعية، وتفكيك الأدوات الأيديولوجية؛ فالدولة التي تعتمد في بقائها على الصراع المفتوح تحمل في أحشائها عوامل تفككها الذاتي.
Comments
Post a Comment