الاتكال على حمارك أفضل من الاتكال على حصان جارك ...

أزمة الحلف المترهل: هل تشهد السياسة الأوروبية بداية الانفصال الاستراتيجي عن واشنطن؟

مقدمة: تشخيص الحالة الاستراتيجية

في المثل الشعبي القديم قيل: "الاتكال على حمارك أفضل من الاتكال على حصان جارك"؛ حكم مكثفة تلخص فلسفة الاعتماد على الذات وتقديم الموارد الذاتية وإن كانت متواضعة على الرهان على قوة خارجية قد تتخلى عنك في لحظة حاسمة. ينطبق هذا المنطق تماماً على واقع الأمن الأوروبي المعاصر؛ ففي مقابلة تاريخية مدوية مع مجلة الإيكونوميست (The Economist)، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصفه المباشر لـ "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) بأنه يعاني من حالة "موت دماغي" (Brain Death).
لم يكن تصريح ماكرون مجرد زلة لسان سياسية أو انفعال عابر، بل جاء تجسيداً لإدراك عميق بخطورة ارتهان القرار الأوروبي لمظلة أمنية أمريكية أضحت مشوبة بالتقلب والضبابية، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة المتصلة بالسلوك التركي في شمال سوريا والتخفيض التدريجي للالتزام الأمريكي المباشر.
برلين وباريس: مناورة أدوار أم تصادُم رؤى؟
بالتوازي مع التصريحات الفرنسية الحادة من قلب العاصمة الصينية بكين، شهدت المحافل الأمنية الألمانية حراكاً مكثفاً تجلى في الخطاب الاستراتيجي الشامل الذي ألقته وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارانباور (AKK) في جامعة القوات المسلحة بألمانيا (Bundeswehr University) في ميونخ.
أكدت الوزيرة أن ألمانيا، بصفتها قوة اقتصادية وصناعية كبرى، لم يعد بإمكانها البقاء في موقف المتفرج تجاه الأزمات الدولية. وطرحت رؤية واضحة للالتزام العسكري المالي تشمل:
 * رفع الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 1.25% من الناتج المحلي الإجمالي في الأمد القريب.
 * الوصول إلى نسبة 2% بحلول عام 2031، مدفوعة بمتطلبات المصلحة الوطنية والأمنية لألمانيا، وليس استجابةً للضغوط الخارجية.
غير أن ما أعقب ذلك من مشاورات داخل مكتب المستشارية الألمانية بين الائتلاف الحاكم — المستشارة أنغيلا ميركل، وزيرة الدفاع كرامب كارانباور، ووزير المالية أولاف شولتس — عكس طبيعة التوازنات الدقيقة داخل ألمانيا. أظهر الحوار المتبادل تبايناً في التكتيكات لا في الأهداف؛ فشولتس ينطلق من التحفظات المالية لحزب الشؤون الاجتماعية (SPD) تجاه رفع الميزانيات العسكرية بسرعة، بينما تسعى ميركل للحفاظ على توازن دقيق بين بروكسل وواشنطن، وتعمل كرامب كارانباور على إعادة هيكلة العقيدة الأمنية للاتحاد.
لقاءات ميركل اللاحقة مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ لم تكن تراجعاً ألمانياً بقدر ما كانت إدارة تكتيكية للوقت؛ حيث أدركت برلين أن واشنطن مستغرقَة في تجاذبات استحقاقاتها الانتخابية الداخلية وإدارتها للأزمات المتشابكة مع بكين وموسكو وأنقرة، مما يمنح العواصم الأوروبية هامشاً للمناورة وإعادة بناء القوة دون الدخول في مواجهة علنية مبكرة مع الإدارة الأمريكية.
القراءة التحليلية: بين الواقعية الاستراتيجية والرؤية الفرنسية
تتيح قراءة هذا المشهد عبر المنظور التحليلي البراغماتي تفكيك خيارين أساسيين يواجهان الأمن القومي الأوروبي:
 * الخيار الأول: إعادة صياغة المفهوم الاستراتيجي للناتو.
   وهو المسار البراغماتي الذي تفضله برلين؛ ويقوم على استغلال انشغال واشنطن بالملفات الآسيوية لإعادة تعريف المصالح الحيوية داخل الحلف، وإلزام القوة العظمى الأمريكية بتنسيق مسبق حقيقي بدلاً من القرارات الأحادية.
 * الخيار الثاني: الانفصال الاستراتيجي وبناء "الحكم الذاتي الأوروبي" (Strategic Autonomy).
   وهو الرؤية الطموحة التي يدفع بها ماكرون، وتقوم على بناء قدرات دفاعية صلبة مستقلة تماماً عن مظلة واشنطن.
رغم أن اندفاعة ماكرون النقدية تبدو للوهلة الأولى راديكالية أو حالمة بالنظر إلى حجم التغلغل الأمريكي في بنية الأمن الأوروبي والتفاوت الكبير في القدرات الاستكشافية واللوجستية، إلا أنها تمثل تشخيصاً جيوستراتيجياً دقيقاً لأزمة الهيمنة الغربية. لقد رسم المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول في خطاباته التاريخية ملخص هذه الفلسفة: "أن يمتلك الاتحاد الأوروبي القدرة على ممارسة سياسة البيضة والحجر" — أي الجمع بين المرونة الدبلوماسية والتوازن، وحمل مقومات القوة الذاتية الناعمة والصلبة في آن واحد.
تقييم نقدي متوازن: الإيجابيات والتحديات
عند تفكيك المعطيات الراهنة، يمكن تقييم المشهد الأمن الأوروبي عبر محورين رئيسيين:
أولاً: مشروع الدفاع الأوروبي المستقل
 * الإيجابيات الاستراتيجية: يتيح هذا المشروع تحرير الإرادة السياسية للدول الأوروبية من التبعية للتقلبات الانتخابية والسياسية في واشنطن، إلى جانب تطوير الصناعات العسكرية الأوروبية الموحدة وتخفيف الهدر المالي الناجم عن ازدواجية التسلح.
 * التحديات والسلبيات: يواجه المشروع تكلفة مادية باهظة على المكلف الأوروبي، فضلاً عن وجود انقسام عميق داخل الاتحاد؛ إذ ترى دول شرق أوروبا (مثل بولندا ودول البلطيق) في واشنطن الضامن الوحيد والأكيد لردع أي تمدد موسكوي.
ثانياً: التحول في الاستجابة الألمانية الجديدة
 * الإيجابيات الاستراتيجية: يمثل الخطاب الألماني تحولاً جوهرياً لألمانيا من قوة اقتصادية سلبية إلى فاعل أمني إيجابي يمتلك الشجاعة والتصميم في القضايا الدولية، مما يساعد على استعادة التوازن المالي والعسكري داخل أروقة الاتحاد الأوروبي.
 * التحديات والسلبيات: يعاب على هذا التحول البطء الإداري والبيروقراطي في آليات اتخاذ القرار داخل برلين، ناهيك عن التباين السياسي الداخلي بين أطراف الائتلاف الحاكم الذي يعوق تنفيذ القفزات السريعة في الإنفاق الدفاعي.
خاتمة: مستقبل الشراكة عبر الأطلسي
إن تحركات بروكسل وبرلين وباريس تشير إلى بداية تحول هيكلي في قواعد اللعبة الجيوسياسية. لم يعد السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت أوروبا بحاجة إلى الاعتماد على ذاتها، بل ينحصر في سرعة وكفاءة تحقيق هذا الانتقال.
ستكشف المرحلة المقبلة ما إذا كانت العواصم الأوروبية قادرة على صياغة أجندة أمنية مستقلة تتعامل بها مع واشنطن أنداً لند وعلى قاعدة المصالح المتبادلة، أم أنها ستظل محاصرة بين البيروقراطية الداخلية والهيمنة الأمريكية. ولكن المؤكد هو أن الفلسفة الأمنية الأوروبية تتجه تدريجياً نحو ترسيخ مبدأ الاعتماد على القوة الذاتية، امتثالاً للحقيقة الاستراتيجية الأزليّة: أن حمارك الذي تملكه وتسيطر عليه، خيرٌ من حصان جارك الذي لا تملك قرار استخدامه.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban