ممالك النار ...
تستعرض القراءة التحليلية للمشهد الدرامي والسياسي في الشرق الأوسط كيف تحولت الدراما التاريخية الضخمة من مجرد أداة للترفيه إلى جبهة اشتباك جيوسياسي وإدراك معقد للتاريخ والمستقبل. يمثل عرض مسلسل "ممالك النار" نقطة تحول مفصلية في استراتيجيات الإنتاج الإعلامي العربي، حيث ينتقل المنظور من حالة الاستهلاك والتلقي للروايات التاريخية الوافدة إلى صياغة سردية مضادة تستند إلى قراءة إقليمية مستحدثة.
شهدت الساحة الإعلامية العربية منذ تسعينيات القرن الماضي تحولات هيكلية قادتها المؤسسات الإعلامية الخليجية، وفي مقدمتها مجموعة MBC. أسهمت هذه المؤسسات في تشكيل الوجدان الجمعي العربي عبر استيراد أنماط درامية متنوعة من أمريكا اللاتينية وشرق آسيا والهند، إلى جانب دعم المدرسة الدرامية الكويتية والإنتاج الدرامي السوري والمصري. ومع حلول عام 2008، أدى انسياب الدراما التركية إلى الشاشات العربية إلى إعادة تشكيل الفضاء الثقافي الإقليمي، إلا أن هذا الانسياب أخذ دلالات أعمق مع تصاعد استخدام الدراما التركية كأداة للالقوة الناعمة.
وظفت أنقرة إنتاجات مثل "قيامة أرطغرل" و"عاصمة عبد الحميد" للتسويق لرواية تاريخية مركزية تحاول إعادة تأطير الحقبة العثمانية في المنطقة العربية. تعتمد هذه السرديات في الغالب على البعد العاطفي وتوظيف الرمزية السياسية؛ ومثال ذلك مشاهد المبالغة الدرامية مثل واقعة صفع عبد الحميد الثاني للسفير البريطاني، وهي حادثة خيالية لم تذكرها المصادر التاريخية الموثوقة. يُلاحظ في هذه الأعمال التركيز على إبراز السلطة المركزية، مع تغييب الخصوصيات الحضارية والثقافية للمجتمعات العربية والشرقية، وإغفال المحطات التاريخية المعقدة والأزمات الصعبة التي واجهت الأقليات والسكان المحليين خلال أواخر العصر العثماني.
من جانب آخر، وجد الفكر التاريخي العثماني نفسه في مواجهات عسكرية وسياسية كبرى لم تُسلط عليها الأضواء كفاية في الدراما التركية والتاريخ القومي الشائع؛ ففي الوقت الذي توسع فيه العثمانيون غرباً وشمالاً، واجهت الدولة حدوداً جيوستراتيجية صلبة في الشرق؛ حيث اصطدمت بالدولة الصفوية في إيران، ولم تتمكن من التمدد نحو شبه القارة الهندية التي كانت تحت نفوذ سلطنة المغول الهندوسية والإسلامية المتلاحقة، والتي امتلكت اقتصادات وتركيبات عسكرية وازت أو فاقت الإمبراطورية العثمانية في الحجم والثراء.
يأتي مسلسل "ممالك النار" كاستجابة درامية تكسر الاحتكار السردي، مصوراً حقبة انهيار دولة المماليك وسقوط القاهرة على يد السلطان سليم الأول عام 1517. ورغم ما قد يواجهه العمل من ملاحظات فنية أو إسقاطات تاريخية كأي إنتاج درامي ضخم، إلا أنه يمثل محاولة لإبراز وجهة نظر تاريخية مغايرة تعيد الاعتبار للتاريخ المحلي والتحولات الجسيمة التي شهدها الشرق الأوسط مع بزوغ السيطرة العثمانية.
شهد إطلاق العمل نقاشات واسعة وسجالات إعلامية بين مختلف الاتجاهات السياسية والإعلامية في المنطقة. ورغم التركيز النقدي المتبادل، فإن قدرة منصات الإنتاج العربية على منافسة الأعمال الإقليمية تؤكد نضج الصناعة الإعلامية ورغبتها في تقديم محتوى يحفز البحث والتفكير النقدي بعيداً عن التلقي الأحادي.
إن قراءة المشهد الإعلامي بعقلية تحليلية وموضوعية تقتضي الابتعاد عن السجالات الأيديولوجية الضيقة، والنظر إلى الدراما التاريخية باعتبارها مساحة لإعادة اكتشاف التاريخ والتفاعل مع تعقيداته. إن بناء وعي جمعي يستند إلى البحث العلمي والمصادر التاريخية الرصينة هو السبيل الأمثل لفهم الماضي والتعامل مع معطيات الحاضر.
Comments
Post a Comment