في فلك المحرمات!!! ...

في تسعينيات القرن الماضي، أطلق المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي عبارته الشهيرة: "لا تكلم العرب أكثر مما يتحملون.. دعهم يحللون، دعهم غارقون". وبينما قيلت هذه الجملة في سياق الرياضة والموهبة الاستثنائية، فإنها تفرض نفسها بقوة كعدسة تحليليّة لمشاهد السياسة الشرق أوسطية، حيث تُمارَس "لعبة الأمم" بأساليب تعتمد على المناورة التكتيكية وتوظيف الهشاشة البنيوية للإقليم.
في خريف عام 2019، وفي خضم الحديث عن صياغة اللجنة الدستورية السورية، برزت تقاطعات معقدة توهم بانتصار نظري لتحالف مصلحي براغماتي بين أنقرة وطهران وموسكو، على حساب المحور الغربي التقليدي. غير أن النظرة التحليلية المتعمقة للخطوات السياسية والعسكرية تظهر أن هذه التفاهمات ليست سوى هشاشة استراتيجية حتمية، تقود المشهد نحو معادلات صفرية.
إعادة التموضع الأمريكي: تفكيك تكتيك ترامب
عند فحص قرار الإدارة الأمريكية بإعادة تحريك قواتها شمال شرق سوريا، يتضح أنه لم يكن انسحاباً كلياً أو هزيمة استراتيجية للشركاء المحليين، بل خطوة تموضع تكتيكي محتسبة. تسعى واشنطن من خلال هذا التكتيك إلى تقليل الكلفة المباشرة مع الحفاظ على المقدرات الحيوية والنفوذ الميداني، ولا سيما في المناطق الغنية بالموارد والنفط شرق الفرات.
ترافقت هذه الخطوة مع رسائل ردع واضحة وردت في التهديدات الصريحة باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي المباشر ضد اقتصاد أنقرة المكبل بالديون الخارجية المقومة بالدولار. تُبرز هذه السياسة نفوذ أدوات الضغط المالي واقتصادات السوق في إخضاع القرارات الجيوسياسية لأطر محددة، حيث أثبتت التجربة أن التغريدات الرئاسية أو القرارات التنفيذية المحسوبة كفيلة بإحداث هزات في أسعار الصرف واستقرار الأسواق للطرف الآخر.
العقدة التركية: حدود القوة الصلبة والأبعاد الداخلية
تستمر الإستراتيجية التركية في التعاطي مع ملف الإدارة الذاتية والأكراد عبر المنظور الأمني الصرف، حيث تصنف أنقرة "حزب العمال الكردستاني" (PKK) وامتداداته كتهديد وجودي. غير أن الاعتماد المفرط على القوة الصلبة لم يحقق حتماً أهدافه السياسية أو الاجتماعية الشاملة.
فعلى المستوى الداخلي التركي، أظهرت الانتخابات البلدية لعام 2019 مدى صلابة الكتلة الانتخابية الكردية وتأثيرها المباشر في تغيير الموازين السياسية داخل المدن الكبرى مثل ديار بكر واستطنبول، على الرغم من الضغوط والإجراءات الأمنية. وفي الوقت نفسه، عانى المسار الاقتصادي من تراجعات ملحوظة عقب التخلي عن المهندسين الأوائل للسياسات المالية المستقرة، مثل علي باباجان، مما ينعكس سلباً على هامش المناورة الخارجي للقيادة التركية.
أما على صعيد فكرة إقامة "منطقة عازلة" والتخطيط لإعادة توطين مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في تلك المناطق، فإن هذا الخيار يواجه تحديات ديموغرافية وقانونية بالغة المعقد. فالهندسة الديموغرافية القسرية تنطوي على مخاطر إشعال نزاعات إثنية طويلة الأمد، ناهيك عن التفاهمات المشروطة مع الجانب الروسي والتي تقضي بتسليم هذه الأراضي مستقبلاً للسيادة المركزية في دمشق، مما يجعل النفوذ التركي مجرد حالة مؤقتة ومحاطة بالالتزامات العسكرية.
الحسابات الإيرانية والروسية: تقاطع المصالح وتناقضها
بالنظر إلى الموقف الإيراني، فإن تحفظ طهران على التحركات العسكرية التركية الشمالية ينبع من تخوفات تتعلق بالتوازن الطائفي وتوزيع النفوذ الديموغرافي والديني، حيث ترى في إعادة التوطين العربية-السنية المكثفة كبحاً لمشروعها القائم على ترسيخ نفوذ متجانس ممتد عبر الأراضي السورية.
وفي المقابل، تدير موسكو اللعبة بحرفية براغماتية؛ فهي تستغل الاندفاع التركي لتعميق الشقاق داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفي الوقت ذاته تضغط على القوى الكردية لتقديم تنازلات جوهرية لصالح الحكومة المركزية في دمشق. يظهر التناقض الجلي عندما تستخدم موسكو ملفات النفط والتجارة غير الرسمية كأوراق ضغط سياسي وإعلامي عند الحاجة، لتذكير كافة الأطراف بحدود أدوارها.
تصحيح السياق وتحليل المعطيات الميدانية
لضمان الدقة التحليلية والموضوعية، تجدر الإشارة إلى تصحيح بعض الأطر والسياقات التاريخية والمعلوماتية:
 * التنسيق الاستخباري وحظر المجال الجوي: إن قرار تقييد وصول أنقرة إلى البيانات الاستخباراتية أو استبعادها من نظام التنسيق الجوي في مناطق شرق الفرات كان إجراءً أمريكياً لحماية القوات والعمليات الضامنة لمكافحة الإرهاب، وليس حظراً مطلقاً داخل حلف الناتو، إذ تستمر الأطر الأساسية للتحالف وفق معاهدات الدفاع المشترك.
 * ملف النفط والتجارة غير الرسمية: إن الاتهامات المتعلقة بتهريب النفط وتجارة السوق السوداء خضعت لسجالات سياسية حادة بين موسكو وأنقرة (خاصة عقب أزمة إسقاط الطائرة عام 2015)، وكانت تستخدم في الأغلب كأوراق مناكفة سياسية وإعلامية دولية للضغط المباشر، أكثر من كونها حقائق قانونية مثبتة عبر محاكم دولية محايدة.
 * الواقع الديموغرافي والسياسي للأكراد: يتوزع المجتمع الكردي على أطياف سياسية متعددة؛ فالإدارة الذاتية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) تعتمد خطابات ومبادئ علمانية ولاقمية، ورغم نجاحها في بناء تحالفات محلية مع العشائر العربية في مناطق الفرات، إلا أنها تظل عرضة للتجاذبات الناتجة عن تغيير القوى العظمى لإستراتيجياتها الميدانية.
قراءة نقدية ختامية
تسلط هذه الحالة الضوء على خطورة بناء الإستراتيجيات الوطنية بناءً على حسابات مرحلية أو مناورات متسارعة. إن محاولة فرض سياسات أمر واقع عبر القوة العسكرية تظل قاصرة ما لم تقترن بشرعنة دولية، واستقرار اقتصادي، وتحليلات عقلانية تأخذ بالأسباب العلمية لبناء الدول والتنمية المستدامة.
تؤكد المعطيات أن الاستقرار الحقيقي في المنطقة لن يتحقق عبر الصفقات المؤقتة بين القوى الإقليمية، بل من خلال تبني نماذج حوكمة حديثة ترتكز على سيادة القانون، احترام حقوق المواطنة الفردية بعيداً عن الشوفينية القومية أو الاصطفافات الطائفية، وتفعيل الحلول السياسية المستندة إلى المبادئ الليبرالية والدولية الناظمة.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

The Resident Power Paradox: A Critical Analysis of France’s Indo-Pacific Strategy