هندسة الوصاية الاستبدادية: كيف يُعيد مرسوم هيكلة "الحشد" صياغة مفهوم الدولة في العراق؟
تتداخل المفارقات السياسية والأخلاقية في المشهد العراقي على نحو غير مسبوق؛ حيث أصبحت أدبيات الوطنية والإخلاص تُستخدم كغطاء أيديولوجي لممارسات تفكيك مؤسسات الدولة لحساب أطراف خارجية. في الوقت الذي يخرج فيه آلاف الشباب العراقيين إلى الشوارع في احتجاجات عارمة، متجاوزين الانقسامات الطائفية والدينية للمطالبة بأبسط مقومات الحياة الإنسانية—كالكهرباء والماء وفرص العمل—تواجه السلطة السياسية وحلفاؤها الإقليميون هذه المطالب بآلية أمنية مفرطة، بالتوازي مع تعميق الشراكات الأمنية والعسكرية مع طهران.
ميزان القوى والإسناد الإقليمي
تشير القراءة التحليلية للمشهد إلى أن الرهان الإيراني على العراق يتجاوز الشراكة التقليدية؛ إذ يتعامل التخطيط الاستراتيجي في طهران مع الساحة العراقية باعتبارها "الرئة الاقتصادية والأمنية" للجمهورية الإسلامية في مواجهة الضغوط الدولية والتقلبات الإقليمية.
وتتداول الأوساط التحليلية تقديرات متقاطعة حول طبيعة الدعم الاستشاري والأمني الذي تقدمه أجهزة مثل "الحرس الثوري" لمنظومة الحكم والنفوذ في بغداد. ويتركز هذا الدعم بشكل خاص في أربعة محاور أساسية:
* الأمن السيبراني والمراقبة الرقمية: تدريب وتشغيل وحدات تقنية لإدارة الفضاء الإلكتروني، وفرض الرقابة على شبكات التواصل الاجتماعي للتضييق على الحراك الشعبي.
* إعادة التنظيم والتكتيك الإداري: نقل الخبرات المتعلقة بإدارة الأزمات والسيطرة على الاحتجاجات وفق النموذج المستقر أمنياً داخل إيران.
* التأهيل النفسي والاستخباري: إعداد كوادر أمنية وتدريبها على أساليب التحقيق والسيطرة النفسية.
* الوحدات التكتيكية: استغلال فرق القناصة والقوات الخاصة في تعاملات غير مباشرة لتفريق التجمعات الحادة.
تندرج هذه الخطوات تحت إطار العقيدة الاستراتيجية القائمة على "تصدير الثورة" وترسيخ نموذج "ولاية الفقيه" كمرجعية عابرة للحدود الوطنية، مما يضمن وجود أذرع موازية للدولة تحمي المصالح الجيوسياسية لطهران.
الهندسة المؤسسية: قراءة في أمر الهيكلة رقم 237
يمثل الأمر الديواني رقم 237 الصادر عن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في يوليو 2019—وما تبعه من قرارات تنفيذية لمأسسة هيكلية "هيئـة الحشـد الشعبي"—نقطة تحول جوهرية في بناء الدولة العراقية. يهدف هذا القرار ظاهرياً إلى تنظيم السلاح ودمج الفصائل المسلحة ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية؛ غير أن التحليل الهيكلي يتكشف عن أبعاد متناقضة:
* الاستقلالية القانونية والمالية: بمنح الحشد وضعاً هيئوياً مرتبطاً مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة خارج هيكلية وزارة الدفاع أو الداخلية، وبمنح منتسبيه رتباً ومخصصات تتساوى مع القوات المسلحة، يتم إيجاد جيش موازٍ يمتلك شرعية قانونية وتمويلاً مقتطعاً من الموازنة العامة للدولة.
* التوسع البيروقراطي: تضمن المسار الهيكلي استحداث عشر مديريات رئيسية تتفرع منها عشرات المديريات الفرعية، فضلاً عن تخصيص آلاف الدرجات الوظيفية لميزانية الهيئة، مما أدى إلى اقتطاع مبالغ ضخمة من ميزانية الدولة في ظل أزمة مالية حادة وشلل في الخدمات الأساسية.
تُظهر عملية المقارنة التحليلية لهيكلة القوات المسلحة العراقية وُجود تفاعل دقيق بين التوجهات النقدية والأطروحات المدافعة؛ حيث يرى الاتجاه المدافع في دمج الفصائل مساراً نظرياً يُسهل ضبط السلاح وحصره تحت مظلة قانونية موحدة، مما يقلل من ظاهرة التشكيلات الخارجة عن القانون ويزيد من كفاءة التنسيق ضد التهديدات الإرهابية. في المقابل، يرى التحليل النقدي العميق أن هذه المأسسة تُؤدي في واقع الأمر إلى تثبيت وتأطير النفوذ الفصائلي بصفة رسمية داخل أجهزة الدولة، وتحويل التشكيلات الموازية إلى مؤسسات مستدامة تستنزف الميزانية العامة، لتقف القوات المسلحة التقليدية أمام منافس هجين يتفوق عليها استقلالية ونفوذاً.
الانقسام المرجعي ومسارات المأسسة
من النقاط الدقيقة التي تُغفل غالباً في تحليل هيكلية الحشد، أن المنظومة ليست كتلة صلبة موحدة، بل تشهد انقساماً جوهرياً بين اتجاهين:
* فصائل المرجعية (حشد العتبات): التابعة إدارياً وروحياً لمرجعية النجف (الشيخ علي السيستاني)، والتي دخلت التشكيل بناءً على فتوى "الجهاد الكفائي" لمواجهة تنظيم "داعش" وتصر على الحفاظ على صبغتها الوطنية الخالصة ومؤسسية الدولة.
* الفصائل الولائية: المرتبطة أيديولوجياً وسياسياً بـ "ولاية الفقيه" في طهران، والتي تسعى لاستغلال الإطار القانوني للهيئة كغطاء شرعي لإنشاء تشكيل يماثل "الحرس الثوري".
هذا التباين يوضح أن الاندفاع نحو الهيكلة بالشكل الحالي لا يحقق دمجاً وطنياً كاملاً، بل يؤسس لـ "حرس خضراء" يستمد نفوذه من توازنات القوى الأمنية والمالية، مما يفرغ مفهوم "المواطنة" والجيش الوطني الجامع من مضمونه.
التداعي المؤسسي ومستقبل الدولة العراقية
تكمن المشكلة الأساسية لهذه التطورات في أنها تعيد صياغة العقد الاجتماعي العراقي وفق مبدأ الحماية الفئوية بدلاً من دولة القانون والمواطنة. إن تفكيك المؤسسات واستبدالها بكيانات موازية يعزز من حالة المحاصصة الاقتصادية والأمنية، ويضع استقرار الدولة في مهب التجاذبات الإقليمية.
إن معالجة هذا الخلل المؤسسي تستوجب البدء بتطبيق مبدأ "حصرية السلاح بيد الدولة" عبر أجهزة أمنية مهنية ومستقلة، يخضع فيها الجميع للرقابة البرلمانية والقضائية، بعيداً عن الاستقطابات الطائفية والأجندات العابرة للحدود. وبدون مراجعة حقيقية لآليات إدارة السلطة وبناء المؤسسات، ستظل المحاولات الإصلاحية مجرد إعادة توزيع للنفوذ داخل بنية سياسية هشة.
Comments
Post a Comment