نقطة نظام ...
مأزق "عقلية الـ 67" وتراجع البراغماتية السياسية: قراءة تحليليّة في الأزمة الأردنية–الإسرائيلية وتفكيك الخطاب الراديكالي
تأتي الخطوة غير المسبوقة التي اتخذتها الدبلوماسية الأردنية في نهايات أكتوبر 2019 باستدعاء سفيرها من تل أبيب، احتجاجاً على سلب الحرية الإداري وتمديد الاعتقال التعسفي للمواطنين الأردنيين هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، لتفتح ملفاً أعمق من مجرد تصعيد دبلوماسي عابر بين دولتين تجمعهما معاهدة سلام رسمية. إن الإجراء الإسرائيلي المتمثل بالاعتقال الإداري — وهو آلية قانونية غير إنسانية تتيح الاحتجاز دون لائحة اتهام محددة أو محاكمة علنية شفافة بناءً على "ملفات سرية" — يشكّل خرقاً لالتزامات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. غير أن معالجة الأزمة من منظور المؤسسات الدولية وقواعد العلوم السياسية تتطلب تجاوز ردود الفعل السطحية، والغوص في البنية الفكرية والسياسية التي تحكم تفاعلات الإقليم.
أولاً: الثبات الإدراكي وعقدة عام 1967
في أحدث أطروحاته الفكرية "غرق الحضارات" (Un naufrage des civilisations)، يشرّح المفكر والأديب الفرنسي-اللبناني أمين معلوف أزمة الشرق الأوسط عبر مفهوم العقد النفسية التاريخية؛ إذ يرى أن العرب يُصنفون سياسياً واستراتيجياً ضمن "عقلية المهزوم" المترسبة منذ هزيمة يونيو 1967، والتي تنتج خطاباً مظلومياً رافضاً للتكيف مع موازين القوى أو القراءة الواقعية للتغيرات الجيوسياسية. وفي المقابل، تقع إسرائيل في فخ "عقلية المنتصر" الغطرسية التي نشأت في أعقاب الحرب ذاتها، مما يتسبب في تجميد القدرة على تقديم تنازلات تاريخية متوازنة وتغليب الحلول الأمنية العنيفة والإقصائية على منطق الدبلوماسية المستدامة.
تجلت هذه الفجوة المعرفية في سلوك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية (الشاباك)؛ حيث اتُهمت اللبدي وفق التسريبات الأمنية بالتواصل مع عناصر محسوبة على أذرع إعلامية تابعة لـ "حزب الله" أثناء زيارة اجتماعية لبيروت. وبدلاً من التعامل مع القضية عبر مسارات أمنية ودبلوماسية متناسبة أو تقديم أدلة قضائية دامغة، لجأت إسرائيل إلى أدوات الردع المباشر القائمة على استعراض القوة والتوسع في الاعتقال الإداري. هذا السلوك يؤكد أن الطرفين لا يزالان رهينتين لنماذج تفكير متصلبة أغلقت أفق التفاوض المرن وشوهت خيارات السلام المستدام.
ثانياً: شمولية الخطاب وتوازي التطرف Ideological Mirroring
من منظور العلوم السياسية والتحليل البنيوي للحركات الراديكالية، يمكن ملاحظة حالة من "التناظر الأيديولوجي" بين القوميات اليمينية الدينية والدينية التلمودية في إسرائيل (المتمثلة في أحزاب اليمين المتشدد كـ "الليكود" و"إسرائيل بيتنا")، وبين التيارات الشمولية في العالم العربي (مثل حركات المقاومة المسلحة: حزب الله، حركة حماس، حركة الجهاد الإسلامي، وصولاً إلى الأحزاب العابرة للحدود كـ "الحزب السوري القومي الاجتماعي").
تتشارك هذه التنظيمات في مرجعياتها المفاهيمية الأساسية، وعلى رأسها الرؤية الصفرية للصراع (Zero-Sum Game) القائمة على نفي الآخر وتجريده من الشرعية القانونية والوجودية، إضافة إلى قدسية الحدود التاريخية والتمدد الجغرافي عبر الاعتماد على خارطة إحلالية ترفض مفهوم "الدولة الوطنية الحديثة" القائمة على سيادة القانون والحدود المعترف بها دولياً.
من الناحية التحليليّة البحتة، ينعكس هذا التناظر لدى حالة الاعتقال الأخيرة؛ فالمواطنة الأردنية المعتقلة، وعلى الرغم من حملها للجواز الأردني وحقها المطلق في الحماية القانونية والإنسانية من قبل دولتها، تتبنى عبر منصاتها ومواقفها المعلنة خطاباً ينتمي أيديولوجياً لمحور المقاومة المسلحة، وتدعو لمشاريع سياسية ترفض بالضرورة الحدود السياسية لكيانات المنطقة (بما فيها الأردن وسوريا ولبنان)، متبنية أطروحة إسقاط الدول الوطنية لصالح الشعار الأيديولوجي الممتد "من البحر إلى النهر".
ويؤدي هذا التعارض المفاهيمي في جوهر أزمة الصراع الإقليمي إلى تعميق الانسداد السياسي؛ حيث تتمحور "عقلية المنتصر" الإسرائيلية حول غطرسة القوة المطلقة، والتوسع في أدوات الاحتجاز التعسفي، وتغليب المسار العسكري والأمني، بينما تنكفئ "عقلية المهزوم" العربية خلف الخطاب المظلومي والانكفاء الشعاري الذي يفكك أركان الدولة الوطنية ويقوض مؤسساتها لصالح أجندات شمولية عابرة للحدود. وتتلاقى هاتان العقليتان لتنتجا في النهاية حالة من تآكل الدولة الوطنية وغياب العقلانية الاستراتيجية اللازمة لبناء استقرار إقليمي متوازن.
إن نقد هذا التفكير الراديكالي لا يعني أبداً منح الشرعية القانونية أو الأخلاقية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي لممارسة البطش والتنكيل أو الاعتقال التعسفي؛ بل يستهدف كشف التناقض البنيوي: كيف يطالب هذا الخطاب الشمولي بالاستفادة من أطر ومفاهيم "دولة المواطنة" والحماية الدبلوماسية الدولية، في الوقت الذي يفكك فيه أركان مفهوم "الدولة الوطنية" وفكرة سيادتها؟
ثالثاً: ازدواجية المظلومية وغياب المعايير الحاكمة
تستغل الأدبيات السياسية في المنطقة الانتهاكات الإسرائيلية لبناء مظلومية أحادية والتغطية على ممارسات السلطويات المحلية. غير أن التدقيق المؤسسي والتقارير الدولية يكشفان عن أزمة أعمق في البيئة الحقوقية العربية.
في مقابلة استجوابية صحفية واجه بها الإعلامي البريطاني تيم سيباستيان (Tim Sebastian) أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات في برنامج "منطقة صراع" (Conflict Zone) عبر شاشة Deutsche Welle؛ وضع سيباستيان القيادة الفلسطينية أمام ملفات موثقة تتعلق بانتهاكات هيكلية وممارسات تعذيب واعتقال سياسي بدون محاكمات تُمارسها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وحركة حماس في قطاع غزة ضد المعارضين وناشطي الرأي.
تظهر هذه المقابلة بوضوح أن ممارسات انتهاك حقوق الإنسان وحرية التعبير ليست حكراً على سلطات الاحتلال، بل هي سلوك مؤسسي متجذر في ثقافة الفصائل والسلطويات الإقليمية، مما يفرغ الخطاب المناهض للاحتلال من مرجعيته الأخلاقية والقانونية أمام المجتمع الدولي.
رابعاً: تفكيك العبث السلاحي ونحو "العقلانية الاستراتيجية"
تُظهر المراجعة التحليليّة للمشهد الإقليمي أن الفارق الجوهري بين المجموعات الإسرائيلية الراديكالية وتيارات المقاومة المسلحة العربية لا يكمن في حدة الخطاب الشمولي، بل في العقلانية الأدواتية (Instrumental Rationality)؛ فالأحزاب الإسرائيلية المتطرفة نجحت في تسخير مقدرات الدولة والتكنولوجيا لبناء مؤسسات عسكرية واقتصادية داعمة لغاياتها، بينما اكتفت التيارات الراديكالية العربية بتفكيك كيانات الدولة الوطنية، وممارسة العبث السياسي والعسكري، وتحويل المجتمعات إلى ساحات حروب بالوكالة دون تحقيق أي مكاسب استراتيجية تنموية أو سياسية.
إن الحركات التي تُطلق على نفسها ألقاب "المقاومة" لم تقدم نماذج للحكم الرشيد أو التنمية العصرية، بل أوجدت ثغرات أمنية وقانونية يستغلها الاحتلال الإسرائيلي لتبرير ممارساته وتوسيع دائرة الاعتقالات والتضييق تحت ذريعة مكافحة الإرهاب والمهددات العابرة للحدود.
الخاتمة: معالم الطريق للخروج من الأزمة
إن حماية المواطن والمصالح الوطنية تتطلب العمل وفق مقاربة عقلانية، تحليليّة، ومجردة تحرر الإرادة السياسية من عقدة الـ 67 وتتخلص من عاطفية الشعارات التقليدية. ويتأتى ذلك عبر محاور عملية:
* دعم الدبلوماسية القانونية للدولة: الاعتماد المطلق على أدوات القانون الدولي ومؤسسات الدولة الوطنية لحماية مواطنيها، بعيداً عن الاستنزاف الأيديولوجي أو التجييش الشعبي غير العقلاني.
* فك الارتباط عن الخطابات الشمولية: التمييز بين حماية حقوق الأفراد بصفتهم مواطنين في الدولة الوطنية، وبين تبني أجندات حركات عابرة للحدود تسعى للعبث بالاستقرار الداخلي وسيادة القوانين.
* الانتقال من الانفعالية إلى البراغماتية: تبني سياسات تعتمد على مصالح الدولة العليا والمفهوم العصري للسيادة، واستبدال عقلية "المظلومية والمهزوم" باستراتيجيات تفاوضية قائمة على المرونة وحسابات التكلفة والعائد المادي والجيوسياسي.
Comments
Post a Comment