ديناميكيات الانسداد السياسي في شمال أفريقيا: بين ظاهرة "الرئاسة الشرفية" ومعضلة القطبية الثنائية

تشهد المنطقة المغاربية والمصرية تحولات هيكلية تعيد تذكيرنا بالطرح التأسيسي الذي قدمه عالم الاجتماع السياسي الأمريكي كرين برينتون في كتابه المرجعي "تشريح الثورة" (The Anatomy of Revolution)؛ حيث تشبه حالة الغليان الشعبي والتدهور المؤسسي في الدول قبيل الانفجار السياسي بحمى تصاعدية تطال كافة أركان الدولة. غير أن الإشكالية الجوهرية في النموذج العربي لا تكمن فقط في كيفية اندلاع "الحمى"، بل في عجز النخب وحركات التغيير عن توجيه هذا الغليان نحو بناء مؤسسي ديمقراطي وبارادايم تنموي واعد، مما يجعل التغيير الشارعي -في غياب الرؤية العقلانية والوسطية- مجرد استبدال لنهج بآخر يتشابه معه في الآليات.
أولاً: المشهد الجزائري وحالة التكلس المؤسسي
تجلت أزمة الانسداد الهيكلي في الإعلان الرسمي الصادر في فبراير 2019 عن ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. ورغم الأزمة الصحية البالغة التي ألمت بالرئيس منذ إصابته بالجلطة الدماغية عام 2013 والتي حدت من قدرته على الحركة وإلقاء الخطابات، أصرت النخبة الحاكمة على التمسك بشرعية التحرير الوطنية.
إن القراءة السطحية التي تعزو أزمات الجزائر المركبة حائطةً إياها على "شماعة الاستعمار الفرنسي" تغفل تعقيدات صياغة الدولة الوطنية بعد الاستقلال. فلئن خلف الاستعمار الفرنسي آثاراً عميقة وهياكل إدارية مجحفة، فإن الإخفاق في بناء دولة المؤسسات والكفاءة يُعد مسؤولية مباشرة للنخب الوطنية المتعاقبة.
وفيما يتعلق بالسياق الهوياتي، يحسب للمرحلة الحالية الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية كFormat رسمية، وهو ما يمثل خطوة إيجابية نحو احتواء التنوع الثقافي والحضاري للبلاد. إلا أن معايير التعيين السياسي وتوزيع الحقائب الوزارية وظفت هذه الخطوات -في كثير من الأحيان- ضمن إطار المحاصصة وتوزيع النفوذ بدلاً من إرساء المعيار التكنوقراطي القائم على الكفاءة (Meritocracy).
مؤشرات الشلل الهيكلي في النظم المغلقة:
 * التنافر الطبقي والمؤسسي: استئثار طبقة محدودة بالمكتسبات الاقتصادية مع اتساع الفجوة مع الشارع.
 * غياب المعيار التكنوقراطي: تهميش الكفاءات العلمية لصالح الولاءات الضيقة والدوائر الأمنية والعسكرية.
 * تآكل الشرعية الوظيفية للحاكم: استمرار الرموز السياسية في السلطة رغم العجز العملياتي والصحي.
 * الانفصال المفهومي للولاء: انتقال ولاء الفئات الشابة والطبقات الوسطى من الدولة ومؤسساتها إلى أطر يأس متطرفة أو الهجرة.
 * ارتباك أدوات الردع (فشل القوة): تراجع قدرة الأجهزة التقليدية على ضبط الشارع دون إحداث كلفة سياسية باهظة.
ثانياً: النموذج المصري ومعضلة الثنائية الصفرية
بالانتقال إلى شرق المنطقة، وتحديداً في مصر، يُلاحظ استمرار نمط الدولة المركزي القائم على النموذج القومي العسكري منذ منتصف القرن الماضي. تاريخياً، ومذ أحدثت الحملة الفرنسية زلزالاً معرفياً في نمط الإدارة والمفهوم الإداري للحكومة في العصر الحديث، ظلت العلاقة بين السلطة والمجتمع تنزع نحو الأبوية والمبايعة السلبية، وهو ما لخصه الكاتب والمفكر محمد حسنين هيكل في أطروحاته التحليلية حول طبيعة المزاج السياسي والتكتل الشعبي حول السلطة المركزية.
إن المعضلة الأساسية في الحالة المصرية -وفي معظم دول المنطقة- تتمثل في القطبية الثنائية الصفرية:
 * القطب الأول: مؤسسة حصرية تعتمد على شرعية الانضباط والقوة الصلبة.
 * القطب الثاني: حركات يمين راديكالي (وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين) تعتمد على التعبئة الدينية الشعبوية وتفتقر للبرامج الاقتصادية والحقوقية الحديثة.
هذا التضاد بين المؤسسة الصلبة واليمين الراديكالي أنتج حالة من "الفعل ورد الفعل المساوي له في المقدار والمضاد له في الاتجاه"، حيث يغذي كل طرف وجود الآخر، مما يحرم المجتمع من خيار ثالث يبني دولة مدنية حديثة قائمة على حكم القانون، الحرية الفردية، واقتصاد السوق الحر.
ثالثاً: المقاربة التحليلية وسُبل الإصلاح الهيكلي
من منظور نقد المؤسسات القائم على المدرسة التحليلية الجادة، فإن تركيز الحراك الشعبي على مجرد "إسقاط الأشخاص" دون تفكيك النهج البيروقراطي والفكري هو إعادة إنتاج للمشكلة ذاتها. إن التغيير الحقيقي يتطلب الانتقال من ثقافة "التجييش العاطفي" إلى بناء أرضية صلبة تقوم على:
 * تطوير قطاع التعليم: الانتقال من مناهج التلقين والأيديولوجيا إلى المناهج التنويرية القائمة على التفكير النقدي (Critical Thinking) والعلوم والرياضيات، لإنشاء جيل يستوعب متطلبات الاقتصاد الرقمي العالمي.
 * إرساء المنظومة الأخلاقية والمواطنة: تعزيز قيم الاستحقاقية، احترام ملكية الآخرين، وسيادة القانون بعيداً عن الاستقطاب الهوياتي والديني.
 * الإصلاح الاقتصادي الليبرالي: رفع يد الدولة والجهات الفاعلة غير الاقتصادية عن المنافسة التجارية، وتشجيع المبادرة الفردية والقطاع الخاص الكفء.
 * صياغة رؤية وسطية: إيجاد مساحة سياسية عقلانية تتجاوز الخطاب العسكري والخطاب الشعبي الديني، لتأسيس بديل مدني مستدام.
بدون هذه المقومات، سينتهي أي حراك إلى التخبط بين خياري الفوضى أو العودة إلى المربع الأول، متناسين أن بناء الدول وتحديثها عملية تراكمية تحتاج العقل والروية والحكمة المؤسسية، لا الفزعات العاطفية.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban