ثورة برسم البيع: أربعون عاماً بين الوهم الإلهي وانقلاب الثيوقراطية على الدستور

في اللقاءات السياسية رفيعة المستوى التي شهدتها واشنطن في سبعينيات القرن الماضي، دار حديث جانبي دقيق بين الملك الحسين بن طلال وشاه إيران محمد رضا بهلوي. تساءل العاهل الأردني بحسه السياسي الناقد حول طبيعة التحركات الناشطة للرجل الديني روح الله الخميني، وتداعياتها المرتقبة. لم يكن التساؤل مجرد استفسار بروتوكولي، بل انطلق من قراءة سياسية عميقة لبيئة إقليمية شهدت آنذاك تداعي العديد من الملكيات في الشرق الأوسط. وكان إدراك الخطاب الجيوسياسي يوجب التحذير من أن تقويض العرش الإيراني لن يتوقف عند حدود تغيير نظام الحكم، بل سيعصف بالشرعية الدستورية التي ناضلت القوى الوطنية الإيرانية لأجلها في مطلع القرن العشرين.

جذور التحول: من ثورة تنباكو إلى الدستورية الأولى
لتفكيك المشهد الإيراني تفكيكاً بنوياً، لا بد من العودة إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كانت بلاد فارس ترزح تحت حكم السلالة القاجارية؛ حيث جمع النظام بين الاستبداد السياسي والهيمنة الدينية المطلقة، بالتوازي مع انسداد اقتصادي تام رغم الثروات الطبيعية.

تجلت شرارة الرفض الأولى في «احتجاجات التنباكو» (1891-1892) عقب احتكار بريطاني لتجارة التبغ، وتلتها حوادث جلد تجار في بازار تهران عام 1905 لتعديل الأسعار. لم تكن تلك الهبات شعبوية مجردة، بل صياغة لرفض اقتصادي وقانوني للممارسات السلطوية. أسفر هذا الحراك المتصاعد عن «الثورة الدستورية الإيرانية» عام 1906 في عهد مظفر الدين شاه قاجار، والتي أنتجت أول برلمان منتخب (الماجلس) ودستوراً يضع حداً للسلطة المطلقة.

حين اعتلت عائلة بهلوي العرش عام 1925، جاءت في سياق محاولة تحديث الدولة ومؤسساتها ضمن إطار دستوري. سعى النظام البهلوي إلى الانفتاح الإقليمي، وتبلور ذلك في تمتين العلاقات الجيوسياسية مع مصر—التي كانت تُعد مركز ثقل إقليمي—لتشكيل محور مدرك لضرورات التحديث. غير أن السؤال الجوهري الذي طُرح في كواليس واشنطن بين العاهل الأردني وشاه إيران ظل دون إجابة حاسمة، وسط ترقب غربي أملى حسابات اقتصادية وسياسية متناقضة.

الجيوسياسات الحادّة: تقاطع المصالح وركائز التغيير
إن نجاح أي تحول سياسي راديكالي يتطلب تحييد المفاصل الحيوية للدولة أو الاستيلاء عليها، وفي حالة إيران، تمثلت هذه المفاصل في قطاع النفط، والجيش، والبيروقراطية الممتدة. وفي المقابل، أدركت التيارات الراديكالية قوة الحشد العقدي. ينطلق الخميني من أيدولوجية صارمة تتلخص في مقولته: "الإسلام سياسة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك"، مؤطراً تصوره للسيطرة عبر أطروحة "ولاية الفقيه".

في تلك الأثناء، نظرت أجهزة الاستخبارات الغربية، ولا سيما في واشنطن، بحذر شديد إلى الصعود الديني. رأت بعض القراءات التكتيكية الاستخباراتية في التيارات الإسلامية الراديكالية حائط صد جيوستراتيجي لمواجهة التمدد السوفيتي خلال الحرب الباردة، استناداً إلى التباين الأيدولوجي الصارم بين الشيوعية والإسلام. رافق ذلك رغبة في استقرار تدفقات الطاقة التي لم يستطع الشاه ضمانها بالشكل المطلوب في أواخر أيامه بسبب الأزمات الاقتصادية والتضخم.

ومع ذلك، لم تكن القوى الخارجية قادرة على صنع التغيير بمفردها ما لم تتوفر قوة تنظيمية داخلية. استغل الخميني هذا الفراغ بذكاء بليغ؛ إذ لم يكتفِ باستثارة العاطفة الدينية للشارع البسيط، بل خاطب القوى الوطنية، والمثقفين، والقوى اليسارية التي أبدت خصومة حادة مع النظام الملكي.

منح العديد من المعارضين—وفيهم شريحة واسعة من القوميين واليساريين—ثقتهم للتحالف مع التيار الديني لإسقاط الشاه، مراهنين على مساحة من الحريات السياسية. غير أن النتيجة كانت صدمة سياسية؛ فبمجرد إحكام السيطرة، جرى إقصاء وتصفية معظم رموز المعارضة الوطنية والمدنية، وكان أبرزهم شاپور بختيار، آخر رئيس وزراء في العهد الملكي، الذي حذر مبكراً من خطر الدكتاتورية الثيوقراطية قبل أن تطاله يد التصفية في المنفى. أدرك هؤلاء المعارضون لاحقاً أن الهامش المدني الذي توفر في عهد الشاه—على ما فيه من مآخذ—كان أكثر اتساعاً بمراحل من الشمولية المطلقة التي فرضها نظام الملالي.

الانقلاب على الدستورية الأولى وتبعاته الإقليمية
على الصعيد العربي والإقليمي، قوبلت أحداث عام 1979 بموجة تأييد جماهيري واسع، غذتها حالة التجييش السياسي والاقتصادي. كانت حركة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية في أوج نشاطها، وخصوصاً في مصر أواخر عهد الرئيس أنور السادات، الذي وجد نفسه مضطراً للتعاطي مع التوازنات السياسية المتغيرة قبل استشهاده.
استغل التيار الثيوقراطي في إيران هذه البيئة الإقليمية المحتقنة ليعلن هيمنته، مستبدلاً الإرث الدستوري الإيراني الأول لنظام "ولاية الفقيه". وهكذا تحول الحراك الذي رفع شعارات الحرية والعدالة إلى سلطة دينية مطلقة تصادر الفضاء العام وتحتكر المجال العام باسم الشرعية الإلهية.

قراءة تحليليّة نقدية: الميزان والنتيجة
عند إخضاع التحول الإيراني لمنهجية تحليلية نقدية محايدة، يُمكن قراءة المشهد عبر بُعدين:

* المكتسبات السياسية الظاهرية (الإيجابيات النظرية):
   استطاع النظام الجديد بناء نموذج تعبوي قادر على تقويض النفوذ الأجنبي المباشر وتأسيس كادر سياسي وإداري ممتد، مع الاعتماد على الذات في تطوير القدرات الدفاعية والإنتاجية المحلية تحت ضغط العقوبات الدولية.

* الكلفة الهيكلية والاستراتيجية (السلبيات البنيوية):
   صادر النظام التعددية السياسية، وعطل نمو الاقتصاد الوطني بسبب العزلة الدولية وتفضيل الأيدولوجيا على الكفاءة الاقتصادية. كما أدى تصدير الثورة إلى إدخال المنطقة في صراعات ممتدة، واستنزاف موارد البلاد في مشاريع خارجية بدلاً من التنمية المستدامة، مما أنتج أزمات معيشية واجتماعية متفاقمة.

بعد مرور أربعة عقود على هذا التحول، تتكشف حقيقة المشروع الذي وعد بالاستقلال والحرية: سلطة ثيوقراطية أحلّت "التفويض الإلهي" محل "الإرادة الشعبية"، وحولت الثورة من مشروع نهوض وطني إلى أداة لترسيخ الحكم الفردي المطلق. إن استعادة القراءة التاريخية من ثورة التنباكو إلى الثورة الدستورية تؤكد أن التطور الطبيعي للدول يكمن في دولة القانون، والمؤسسات، وسيادة العقل والحرية الفردية، لا في استبدال سلطة سياسية بسلطة مطلقة تتغطى بعباءة الدين.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban