مبادلة الهيمنة بالبراغماتية: قضية خاشقجي وتعديل أوتار التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط
بقلم: ميّار شحاده
تضع قضية اختفاء ومقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول النظام الإقليمي والدولي أمام لحظة مفصلية تُعيد رسم العلاقات الجيوسياسية بين واشنطن والرياض وأنقرة، مع فتح ثغرات استراتيجية تتطلع موسكو وبكين لاستغلالها. لا تُقرأ هذه الأزمة باعتبارها حدثاً جنائياً عابراً، بل كمحفز استراتيجي يعرّي هشاشة التوازنات القائمة ويختبر مدى مرونة التحالفات التقليدية في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
أولاً: المعادلة المثلثية للواشنطن: البيت الأبيض، الكونغرس، ومجتمع الاستخبارات
لتحليل الموقف الأمريكي بدقة، يجب تفكيك آلية صناعة القرار في واشنطن، والتي تتمحور حالياً حول ثلاثة مراكز قوى ذات توجهات متضاربة:
* البيت الأبيض (البراغماتية الاقتصادية المعاملاتية): يتعامل الرئيس دونالد ترامب مع العلاقة مع الرياض برؤية رجل الأعمال. تشكل الصفقات الاقتصاديّة والسيادية المقدرة بنحو 450 مليار دولار — والتي تتضمن صفقات تسليح بقيمة 110 مليارات دولار تم الاتفاق عليها منذ عام 2017، فضلاً عن مشاريع عملاقة كشراكات مشروع "نيوم" والمحادثات حول بناء المحطات النووية السلمية — حجر الزاوية في هذه السياسة. حصر ترامب القضية في إطار "حادثة وقعت خارج الأراضي الأمريكية لمواطن غير أمريكي" يعكس رغبة عارمة في حماية مكاسب الاقتصاد الأمريكي وتجنب تقويض الحليف الأكثر أهمية في المحور المناهض لإيران.
* مؤسسة التشريع (الكونغرس): يعكس الموقف في الكابيتول هيل غضباً عابراً للأحزاب. تفعيل "قانون ماغنيتسكي العالمي لم any المحاسبة على حقوق الإنسان" (Global Magnitsky Act) من قبل لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ يُلزم البيت الأبيض بإجراء تحقيق رسمي وفرض عقوبات مستهدفة على أفراد متورطين. يمثل هذا السيف المصلت أداة ضغط سياسي تشبه إلى حد بعيد "قانون جاستا" (JASTA)، الذي أُقر في عهد الرئيس باراك أوباما للضغط على السلطات السعودية في قضايا التعويضات، مما يجعل الرياض في موقع مكشوف تشريعياً داخل واشنطن.
* مجتمع الاستخبارات (CIA وFBI): يتعامل التقييم الاستخباري مع الأزمة بصفتها مسألة مساس بالاستقرار الإقليمي ومصداقية الردع الأمريكي. تشير التقارير الاستخباراتية المسربة عبر الصحافة الأمريكية — وفي مقدمتها الواشنطن بوست — إلى تسجيلات وأدلة تسلمتها الأجهزة الأمريكية من الجانب التركي تضع الروايات الرسمية الأولى تحت اختبار شديد وتحدّ من قدرة البيت الأبيض على مناورة التغطية السياسية الكاملة.
ثانياً: المناورة التركية وتوظيف الأزمة: بين الابتزاز السياسي والواقعية الأسبقية
تكشف إدارة أنقرة للأزمة عن نهج براغماتي صريح يُدار عبر الدولة العميقة وأجهزتها الأستخباراتية. تُدرك تركيا أن حدوث الواقعة على أراضيها شكل خرقاً أمنياً يمس هيبة أجهزة أمنها القومي، ولذلك اعتمدت سياسة "التنقيط الإعلامي" والأمني الموجه لربط الخناق السياسي على الرياض، مع إطلاع الشركاء الدوليين (واشنطن، لندن، باريس، برلين) إضافة إلى فتح قنوات غير رسمية مع موسكو وبكين.
غير أن هذا التصعيد القضائي والأمني التركي يقف عند حدود الحسابات الاقتصادية والسياسية المعقدة:
* الإفراج عن القس أندرو برونسون: كشف قرار القضاء التركي بإنهاء احتجاز القس الأمريكي برونسون ورفع حظر السفر عنه عن خضوع واضح للتوازنات الجيوسياسية. يُظهر هذا الإجراء الحدود الحقيقية للاستقلالية القضائية التركية أمام الضغوط الاقتصادية الأمريكية المباشرة، ويؤكد أن أنقرة تسعى لإنهاء عزلتها المالية مع الغرب عبر تقديم تنازلات ملموسة مقابل تخفيف الضغط على الليرة.
* إلغاء صفقة "ماكنزي": للتدقيق في المعطيات الاقتصادية، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان إلغاء الاتفاقية الاستشارية التي كان قد طرحها وزير المالية وشهر الرئيس، بيرات البيرق، مع شركة "ماكنزي" الأمريكية لتقديم الاستشارات للبرنامج الاقتصادي التركي. جاء التراجع الحكومي نتيجة ضغوط المعارضة الداخلية ولتفادي الحرج السياسي الناجم عن الاستعانة بشركة أمريكية في أوست الأزمة الدبلوماسية.
تسعى أنقرة إلى تجنب صدام سياسي واقتصادي كامل مع الرياض قد يؤدي إلى سحب التمثيل الدبلوماسي أو مقاطعة تجارية، متيحةً مساحة للوساطة والتسويات خلف الكواليس لتجنب ضرب التبادل التجاري والاستثماري المتداعي أصلاً.
ثالثاً: التداعيات الاقتصادية على رؤية السعودية ومناخ الاستثمار
تأتي هذه التداعيات في مرحلة حاسمة لخطة التحول الاقتصادي "رؤية 2030". تعتمد الرؤية الاستراتيجية للرياض على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) وتوطين التقنية والشراكات مع أسواق المال العالمية.
إن فرار بعض المستثمرين ورؤساء الشركات العالمية من الموتمرات الاستثمارية المرتقبة في الرياض، وإمكانية فرض عقوبات محددة عبر "قانون ماغنيتسكي" على شخصيات تنفيذية، يضعان أعباء إضافية على المحفظة الاقتصادية السعودية. تصبح التكلفة السياسية للاستثمار مرتفعة بالنسبة للشركات الغربية العابرة للقارات، مما قد يضطر الرياض إلى تقديم مزيد من التنازلات الاقتصادية أو الامتيازات الشفافة للحفاظ على المكتسبات الشريكة مع البيت الأبيض.
رابعاً: عين الصقر في موسكو وبكين: تحين الفرص في النظام الدولي المتعدد الأقطاب
تقف كل من موسكو وبكين في موقع "المتربص الاستراتيجي"، حيث ترى الكرملين وبكين في هذه الأزمة فرصة نادرة لإضعاف الاحتكار الأمريكي لرعاية الأمن الخليجي.
تولّد الأزمة الدبلوماسية مسارين متوازيين يُعيدان تشكيل معادلة النفوذ؛ فمن جهة، تُمارس القوى الغربية والكونغرس ضغوطاً متصاعدة عبر اللجوء لأدوات مثل "قانون ماغنيتسكي"، ومراجعة صفقات السلاح، ورفع المخاطر الاستثمارية. وفي المقابل، يقدم الموقف الروسي-الصيني نمطاً مغايراً يقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتوفير بدائل لتنويع مبيعات السلاح والتكنولوجيا، وتعزيز الشراكات الممتدة في قطاع الطاقة عبر مظلة "أوبك+". يتقاطع هذان المساران عند نقطة مفصلية تفترض إجبار المنطقة على إعادة التوازن الاستراتيجي وتنويع الخيارات الجيوسياسية.
* الاستراتيجية الروسية (موسكو):
* تسعى روسيا لاستغلال أي تلويح أمريكي بتجميد صفقات التسليح لتقديم بدائل استراتيجية غير مشروطة بسجلات حقوق الإنسان (مثل منظومات دفاعية ومشاريع الطاقة النووية).
* يمثل التعاون في إطار اتفاقية "أوبك+" محور الارتكاز الأهم؛ حيث تضمن موسكو بالتنسيق مع الرياض التحكم في أسعار النفط العالمية، مما يمنح الكرملين أداة ضغط جيوسياسية متقدمة أمام أوروبا والولايات المتحدة.
* الاستراتيجية الصينية (بكين):
* تنظر الصين إلى الخليج من منظور "مبادرة الحزام والطريق" وضمان أمن الإمدادات النفطية.
* تُقدم بكين نفسها كشريك اقتصادي وتكنولوجي ضخم لا يتدخل في الشؤون الداخلية ولا يخضع لتقلبات البرلمانات والتشريعات المحلية، وهو ما يجذب دول المنطقة الباحثة عن تنويع الشركاء الاستراتيجيين وتفادي الابتزاز السياسي الغربي.
خامساً: التقييم الاستراتيجي والرؤية المستقبلية
تكشف الأزمة عن التحول الهيكلي في السياسة الدولية نحو التعددية القطبيّة والبراغماتية العارية:
* تراجع النموذج القيمي الغربي: أظهرت إدارة الأزمة من قبل واشنطن أن المصالح الاقتصادية الجيوسياسية تتقدم على الشعارات المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية الصحافة. سيُستخدم "قانون ماغنيتسكي" كأداة للضبط والاحتواء واقتطاع المكاسب السياسية والاقتصادية بدلاً من كونه أداة للقطع النهائي مع التحالف السعودي.
* إعادة التوازن المحدود: لن تتخلى السعودية عن تحالفها التاريخي مع واشنطن بشكل كامل، نظراً لارتباط هيكلية منظومتها الأمنية والعسكرية بالتقنيات الغربية. ومع ذلك، ستسرع الأزمة من تنويع خيارات الرياض الاستراتيجية باتجاه الشرق (موسكو وبكين) للحد من الاعتماد الأولي والتأمين ضد تقلبات الداخل الأمريكي.
* إعادة تشكيل موازين الإقليم: أثبتت القضية أن إدارة الصراعات في الشرق الأوسط لم تعد حسماً أشارف عليه طرف واحد، بل هي شبكة معقدة من المساومات بين قوى إقليمية (تركيا) ودولية (أمريكا، روسيا، الصين) تُحركها المصالح الباردة بعيداً عن المبادئ المبدئية.
Comments
Post a Comment