عين الحدث على أفريقيا ما الخطة؟!
التدافع الجيوسياسي الجديد على أفريقيا: تحليل للتوازنات الراهنة وصراع النفوذ بين الشرق والغرب
تشهد القارة الأفريقية تحولاً بنيوياً يضعها في قلب المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية الدولية. ولا ينبع هذا الاهتمام العالمي المتزايد من مجرد كونها ثاني أكبر قارات العالم مساحة وسكاناً، بل من موقعها اللوجستي الاستراتيجي المحاذي للممرات المائية الحاكمة للتجارة العالمية؛ بدءاً من قناة السويس ومضيق باب المندب وخليج عدن، وصولاً إلى امتداداتها المحيطية في الأطلسي والهندي. وإلى جانب المقومات الجغرافية، تمتلك القارة ثروات طبيعية هائلة ومخزوناً بشرياً شاباً، فضلاً عن عمق حضاري وتاريخي تشهد عليه الاكتشافات الأنثروبولوجية والأحفوريات في شرق أفريقيا، والتي تعزز الفهم العلمي لتطور البشرية.
مع وفاة الرئيس السوداني الأسبق عبد الرحمن سوار الذهب في الرياض عن عمر ناهز 83 عاماً، تُطوى صفحة رمزيّة من تاريخ السياسة الأفريقية؛ حيث مثّل الانتقال السلمي للسلطة في تجرّبته استثناءً نادراً في بيئة إقليمية غلب عليها اضطراب الحكم. وتسلّط هذه اللحظة الفارقة الضوء على المعضلة الهيكلية التي تعاني منها أفريقيا: "غياب المركزية السياسية". فالقارة لا تخضع لهيمنة دولة محورية واحدة، بل تتوزع أدوارها عبر تكتلات إقليمية ومؤسسات قارية الاتحاد الأفريقي والبرلمان الأفريقي والمؤسسات الحقوقية المقيمة بين أديس أبابا وجوهانسبرغ. وعلى الرغم من هذه الأطر المؤسسية، تُلقي الكثافة السكانية المرتفعة وغير المنظمة بظلالها على جهود التنمية المستدامة، ممّا يولد أزمات متتالية من الفقر والنزوح والاحتياجات الغذائية، وهي نتاج تراكمات من الصراعات القبلية والتدخلات الخارجية والهشاشة المؤسسية.
الديناميات الاقتصادية والصراع الاستراتيجي
شهدت النظرة الدولية لأفريقيا تحولاً دراماتيكياً؛ إذ أدركت القوى الكبرى أن الاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي مرتهنان بتحقيق تنمية مستدامة في الجنوب العالمي. ودَفَع هذا الوعي دولاً أفريقية محورية مثل جنوب أفريقيا، وإثيوبيا، والسنغال، ونيجيريا، وكينيا، والمغرب، وتونس، ومصر إلى إطلاق إصلاحات هيكلية لفتح الممرات الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وفي هذا السياق، تبرز الصين كأكبر لاعب اقتصادي في القارة عبر مشروع "حزام واحد، طريق واحد". فلم يقتصر التوسع الصيني على ربط شبكات التجارة نحو العمق الأوروبي عبر الموانئ الآسيوية مثل غوادر، بل امتد ليتمركز في الموانئ الاستراتيجية المحيطة بباب المندب وعدن، إضافة إلى ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية في شرق القارة وغربها. وفي المقابل، جاءت الاستجابة الأمريكية متأخرة ومحتفظة بطابعها التقليدي المتركز على الجوانب الأمنية؛ وهو ما دفع مسؤولي الأمن القومي في واشنطن إلى التحذير من تمدد النفوذ الصيني، دون تقديم بدائل اقتصادية منافسة.
أما الأوروبيون، فقد نهجوا مقاربة أكثر واقعية. فقد أدركت القوى الأوروبية الرئيسية، ولا سيما فرنسا وألمانيا، أن أدوات الهيمنة القديمة لم تعد جديرة بالاستمرار. ودفع هذا الإدراك باريس إلى مراجعة تاريخها الإستعماري في المنطقة، والبحث عن صيغ شراكة تتيح تقاطع المصالح مع القوى الإقليمية والدولية بما فيها روسيا، خاصة في ملفات معقدة مثل الصراع الليبي وتدفقات الهجرة.
معادلة الطاقة ونفوذ شرق المتوسط
في ملف الاستثمار المباشر، تُظهر البيانات الاقتصادية الصادرة عن المؤتمر الوطني للتجارة والتنمية (أونكتاد) والبنك الدولي أن مصر تصدرت قائمة الوجهات الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا، متقدمة على وجهات استثمارية إقليمية أخرى. ويعود هذا التموضع إلى تحركات استراتيجية شملت ترسيم الحدود البحرية لاتفاقيات الغاز في شرق المتوسط بالتعاون مع قبرص واليونان، وبمباركة وضمانات جيوسياسية من موسكو.
تستغل روسيا تواجدها العسكري والاقتصادي في شرق المتوسط لتعزيز نفوذها الممتد نحو شمال أفريقيا ورأس الجسر الليبي. وتتقاطع المصالح الروسية-الصينية في تقديم نموذج للتعاون لا يربط الاستثمار بالشروط السياسية والترتيبات الأيدولوجية، بخلاف الطرح الغربي الأحادية الذي تركز تاريخياً على مبيعات السلاح أو التدخلات المشروطة.
تقييم نقدي للمشهد الممتد
عند تحليل هذه التحولات وفق منظور تحليلي متوازن وموضوعي، يمكن استخلاص الإيجابيات والسلبيات التالية:
* الإيجابيات:
* تنويع الشراكات: أتاح دخول الصين وروسيا للدول الأفريقية هامش مناورة أوسع للخروج من الارتهان للشروط الغربية التقليدية.
* تحديث البنية التحتية: أدت الاستثمارات الصينية المباشرة إلى تطوير شبكات الموانئ والسكك الحديدية والطاقة، مما يرفع الكفاءة اللوجستية للممرات الاقتصادية القارية.
* إعادة اكتشاف الأهمية الاستراتيجية: دفع الصراع الدولي القارة إلى الواجهة، مما عزز القيمة التفاوضية للدول الأفريقية المحورية في المحافل الدولية.
* السلبيات والمخاطر:
* فخ الديون والارتهان الجديد: يحمل الاعتماد المفرط على القروض والاستثمارات المباشرة مخاطر عالية تتعلق بالسيادة الاقتصادية وإدارة الديون في المدى الطويل.
* ضعف الحوكمة والمؤسسية: تسهم بعض المشاريع التي تتجاهل المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة في تثبيت أنماط التخلف وعدم المساءلة.
* عش الدبابير الجيوسياسي: تحول القارة إلى ساحة صراع وكالات بين القوى الكبرى قد يفاقم الانقسامات الداخلية ويغذي عدم الاستقرار السياسي والعسكري.
يتوقف استثمار أفريقيا لهذه اللحظة الاستراتيجية على قدرة دولها على صياغة سياسات استباقية قائمة على المعرفة والواقعية الاقتصادية، وتجاوز العوائق الأيدولوجية والانقسامات الإقليمية، لبناء شق تنموي مستدام يضمن استغلال مواردها لصالح أجيالها القادمة.
Comments
Post a Comment