مفارقة النفوذ والقوة الناعمة: تفكيك ظاهرة العداء الإقليمي تجاه المملكة العربية السعودية
تشهد منطقة الشرق الأوسط ظاهرة جيوسياسية وسيكولوجية فريدة؛ تتلخص في الفجوة الواسعة بين حجم الدور التنموي والاقتصادي الذي تلعبه المملكة العربية السعودية، وبين مستوى الإدراك السلبي والعدائي المتراكم تجاهها في المخيال الجمعي لقطاعات واسعة من الشعوب العربية.
إن العداء للرياض لا يعبر عن مجرد ردود فعل عفوية أو تحولات مرحلية طارئة، بل يمثل نتاج هندسة إدراكية ممتدة عبر العقود، تلاقت فيها الأيديولوجيات القومية والراديكالية والإسلاموية، مستغلة هشاشة البنية الثقافية والعاطفية للمجتمعات الإقليمية.
أولاً: التراكم التاريخي للآلة الإعلامية وتأطير المخيال الجمعي
بدأت عملية التجييش ضد القوى المحافظة في الخليج العربي كإستراتيجية للتغطية على الإخفاقات التنموية والعسكرية للأنظمة الثورية.
* المد القومي وصوت العرب:
شكّلت الحقبة الناصرية في ستينيات القرن الماضي الدعامة الأولى لإستراتيجية تصدير الأزمات. كرّست الإذاعات الموجهة -وعلى رأسها "صوت العرب"- سردية تُحمّل السعودية مسؤولية الانكسارات العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، مستهدفة السعودية والنظام الملكي في الأردن.
* الأنظمة البعثية والشعبوية:
وامتداداً لهذه الحقبة، طور إعلام البعث في العراق وسوريا، إلى جانب النظام الليبي، منهجية انتقلت من الشتم الشفاهي إلى التشويه البنيوي والتخوين المباشر، لتبرير الممارسات السلطوية الداخلية عبر اختلاق خصم خارجي يُحمَّل وزر الهزائم المتتالية.
ثانياً: تقاطع الإسلام السياسي مع الإعلام الموجه
مع تراجع الخطاب القومي، ورثت تيارات الإسلام السياسي -وفي مقدمتها حركة الإخوان المسلمين- البنية التحتية لهذا الخطاب العدائي، وأعادت إنتاجها بأدوات إعلامية أشد معاصرة.
* التأطير الإعلامي الإقليمي:
أسهم الاستقطاب الإعلامي في عقد التسعينيات وما بعده -عبر شبكات كبرى مثل "الجزيرة"- في تحويل التغطيات الجيوسياسية إلى أدوات شحن أيديولوجي.
* شيَطَنَة الأدوار وإيجاد البدائل:
عُمِل على تصوير الانكفاء الإقليمي أو الحركات المسلحة المنضوية تحت ما يُسمى "محور المقاومة" كبديل مشروع، بينما أُطّرت التحركات السعودية -سواء في ملفات العراق أو فلسطين- في قالب التواطؤ والتفريط.
* استغلال التحولات الاجتماعية:
مع انطلاق رؤية السعودية التحديثية وبرامج الإصلاح الاجتماعي، جرى تسويق هذه التحولات على أنها استهداف للهوية الإيمانية للحد من التمدد النفوذي للمملكة.
ثالثاً: التدقيق العلمي والميداني للمغالطات الشائعة
تنهار معظم الادعاءات الموجهة ضد الدور السعودي أمام التحليل الرقمي والميداني للسياسات الخارجية:
* الملف الفلسطيني:
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة والمنصات الرسمية لإغاثة اللاجئين (UNRWA) إلى أن المملكة تعد في صدارة المانحين للدولة الفلسطينية تاريخياً؛ حيث تجاوز إجمالي الدعم السعودي المباشر لفلسطين منذ عام 1999 حاجز 5.2 مليار دولار. يتناقض هذا الواقع الحسابي مع اتجاهات الرأي العام الفلسطيني والإقليمي التي تميل نحو تيار أيديولوجي ينفق في إطاره الكلامي دون مساهمة تنموية مستدامة.
* المساعدات الخارجية والتنمية الإقليمية (موريتانيا والأردن نموذجاً):
* المساعدات التنموية: عبر الصندوق السعودي للتنمية، أُقيمت مشاريع البنية التحتية الكبرى من محطات مياه وطرق وطاقة في دول كـ موريتانيا.
* دعم الاستقرار المالي: شكلت الودائع والمساعدات السعودية في البنوك المركزية للمحيط العربي -لا سيما في الأردن ومصر- صمام الأمان لمنع انهيار العملات الوطنية وسلاسل الإمداد خلال الأزمات المالية المتلاحقة.
رغم هذه الأرقام، تعاني هذه الجهود من ضعف التثقيف الإعلامي في الدول المستفيدة، مما ترك الساحة مفتوحة للتأطير المعادي.
رابعاً: التناقضات الأيديولوجية وقصور القوة الناعمة
تتجلى هشاشة الخطاب المناهض للرياض في الوقوع في التناقض المباشر؛ حيث يُعاد استخدام أدبيات متناقضة كلياً بحسب الحاجة الإعلامية:
* الدولة الدينية مقابل الانحلال: تُتهم الدولة في أدبيات بقالب "الثيوقراطية المتطرفة"، وفي أدبيات أخرى بنفس الوسيلة الإعلامية بـ "التخلي عن القيم وتشجيع الانحلال".
* المصلحة الاقتصاديّة والعداء الشفهي: المفارقة الكبرى تكمن في الحضور الاقتصادي؛ إذ تشهد مؤشرات الهجرة والعمل إقبالاً واسعاً من النخب والكوادر الشابة في الدول المناهضة للعمل داخل المملكة، مما يبرز وجود انفصال بين الشعارات الأيديولوجية والممارسة العملية.
خامساً: مراجعة نقدية للإستراتيجية السعودية وقواعد المواجهة
إن الركون إلى إستراتيجية "الدبلوماسية الهادئة" أو الاعتماد الحصري على تقديم المساعدات عبر الحكومات ثبت عدم كفايته في مواجهة آلات الدعاية الشاملة.
* التحول نحو الاشتراط السياسي والتنموي:
يجب أن تنتقل الدولة المنمية من نموذج "الواجب الأخلاقي المجرد" إلى إستراتيجية "المعاملة بالمثل". لا يمكن قبول أن تتلقى المؤسسات والحكومات مساعدات استثنائية، في حين تُترك منابرها التعليمية والإعلامية ساحة مفتوحة لشيطنة الدولة المانحة.
* بناء أدوات النفوذ المباشر:
يجب توجيه الاستثمارات والقوة الناعمة نحو التأثير في المجتمعات الثقافية، المؤثرين، والمؤسسات البحثية والإعلامية مستقلة القرار، بدلاً من الاتكال التام على الأجهزة الحكومية التقليدية التي أثبتت عجزها عن حماية الصورة الذهنية لحلفائها.
* حماية الجبهة الداخلية وتأمين النفوذ الجيوسياسي:
يمثل التماسك الداخلي السعودي نموذجاً أثبت استعصاءه على الاختراق، إلا أن التعويل على هذا التماسك وحده لا يمنع تأثير "أحجار الدومينو" في البيئة الإقليمية المحيطة، ما يستدعي صياغة سياسة خارجية أكثر حزماً تتناسب مع المكانة المحورية للرياض كقوة إقليمية كبرى.
Comments
Post a Comment