ورشة البحرين والأطر الاقتصادية للنزاع: قراءة تحليليّة في هندسة "السلام من أجل الإزدهار" ومآلاتها البنيوية
تُمثّل "ورشة البحرين" (المعنونة رسمياً بـ "السلام من أجل الإزدهار") لحظة مفصلية في أدبيات التعاطي الدولي مع النزاع العربي-الإسرائيلي؛ إذ تسعى الخطة، التي صممها المستشار الأمريكي جارد كوشنير بالتعاون مع المبعوث جيسون غرينبلات والسفير ديفيد فريدمان، إلى إحداث تحول بنيوي عبر الانتقال من نموذج "الأرض مقابل السلام" التقليدي إلى صيغة "الاقتصاد أولاً". لتفكيك هذه المبادرة ومآلاتها الاستراتيجية، يلزم ابتداءً التمييز المنهجي بين مسارين متوازيين ولكنهما منفصلان: الصراع العربي-الإسرائيلي بجهته الإقليمية، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بجهته البنيوية.
أولاً: تفكيك المسارات الحدودية والسياسية للشرق الأوسط
على العكس من الانطباع الشائع بوجود صراع عربي-إسرائيلي أحادي، يُظهر التحليل الجيو-سياسي أن المسارات الثنائية للدول العربية الحدودية سلكت ديناميكيات مختلفة تماماً، ويمكن تبويبها كالآتي:
* المسار المصري: أسست اتفاقية "كامب ديفيد" (1978) لسلام بارد ولكن استراتيجي، أثمر عن استعادة سيناء كاملة وصولاً إلى التحكيم الدولي حول طابا عام 1989. وعلى الرغم من استقرار الترتيبات الحدودية والبرية والبحرية، إلا أن منطقة العريش وسيناء ظلت تواجه تحديات أمنية معقدة بسبب النشاط المسلح والتداخلات عبر معبر رفح والأنفاق. شهدت المنطقة تعاوناً أمنياً وتنسيقاً ثنائياً مكثفاً ومباشراً بين القاهرة وتل أبيب لخوض عمليات مكافحة الإرهاب وضبط الشريط الحدودي، في ظل حالة من التوتر السياسي المستمر بين السلطات المصرية وحركة حماس ذات الجذور الأيديولوجية الممتدة للتنظيمات الإسلامية اليمينية.
* المسار الأردني: حسمت معاهدة "وادي عربة" (1994) الترسيم الحدودي بين الطرفين. وعلى الرغم من استعادة الأردن للسيادة الكاملة على منطقتي الباقورة والغمر إثر انتهاء ملحقي الممارسة الخاصة، فإن إشكالية إدارة الموارد المائية واستحقاقات المحاصصة الحيوية تظل ملفاً متجدداً يتأثر بالتوازنات السياسية والتقلبات في القرار الداخلي والخارجي.
* المساران السوري واللبناني: تظل معضلة هضبة الجولان المحتلة عائقاً أمام أي تسوية على الجبهة السورية. أما على الجبهة اللبنانية، فتتعقد المسألة بفعل الملفات المعلقة مثل "مزارع شبعا" و"تلال كفرشوبا"، إلى جانب النزاع على ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة الغنية بالغاز الطبيعي.
تُضاف إلى هذه التحديات الإقليمية أزمة اللاجئين الفلسطينيين، التي تتفاوت مقاربتها قانونياً وسياسياً بحسب دولة الاستضافة:
ففي الحالة اللبنانية والسورية، يخضع اللاجئون لقيود مشددة على الحقوق المدنية والمهنية، مع استبعاد تام للتجنيس خشية إخلال التوازنات الديموغرافية والسياسية، مما جعل أزمة المخيمات بؤرة استنزاف اقتصادي واجتماعي متفاقمة. أما في الحالة الأردنية والمصرية والدول الأخرى، فقد استوعبت هذه الدول أعداداً واسعة عبر منح حقوق مواطنة كاملة (كما في الحالة الأردنية للغالبية) أو إقامات وتسهيلات قانونية واقتصادية متقدمة، مما أدمج الكتلة الديموغرافية اقتصادياً واجتماعياً ضمن أطر أوسلو والترتيبات السياسية القائمة.
أما الأقطار العربية غير الحدودية، فتعاطيها مع النزاع ينطلق أساساً من الالتزام بمظلة الجامعة العربية، ولا سيما القرار التاريخي لقمة الرباط (1974) الذي أقرّ بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" — وهو المبدأ الذي تكرّس رسمياً حين انطلقت مفاوضات أوسلو عبر تواصل مباشر بين القيادة الفلسطينية والقيادات العربية المحورية في القاهرة والرياض، والتي أكدت موقفها التقليدي القاضي بدعم ما تقبله القيادة الفلسطينية لرسم مصيرها.
ثانياً: تشريح خطة "السلام من أجل الإزدهار" (ورشة البحرين)
تستند الرؤية الاقتصادية المقترحة من الإدارة الأمريكية إلى فرضية مفادها أن ضخ رأس المال وتحسين جودة الحياة يشكلان الممر الأساسي لتسهيل الحل السياسي المستقبلي. وتتكون الخطة الاستثمارية (المقدرة بنحو 50 مليار دولار) من خمسة مرتكزات هيكلية:
* الربط القاري والتنقل: تخصيص نحو 5 مليارات دولار لإنشاء ممر جوهري لربط قطاع غزة بالضفة الغربية عبر شبكات مواصلات وبنية تحتية حديثة تشمل السكك الحديدية والطرق السريعة.
* تحديث الاقتصاد الفلسطيني: استثمار 45 مليار دولار على مدار عشر سنوات لبناء البنية التحتية، وخفض معدلات الفقر والبطالة، وتحفيز القطاع الخاص في الضفة وغزة.
* الاستثمار الإقليمي المتقاطع: تمويل مشاريع بنية تحتية وطاقة ومياه في دول الجوار (مصر، الأردن، لبنان، وسوريا) لاستيعاب العمالة وتوفير فرص تشغيلية تخفف الضغط عن اقتصادات هذه الدول.
* الدمج المالي والإقليمي: إنشاء شبكات مصرفية ومؤسسات تنموية مشتركة بين السلطة الفلسطينية والدول الأربع المجاورة لتدفق رؤوس الأموال.
* الإشراف والتشاركية الإقليمية: اعتماد دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة وإسرائيل كشركاء مشرفين وممولين ومراقبين إداريين للعملية التنموية، لضمان أعلى مستويات الحوكمة وتفادي الهدر المالي.
وتتوزع الميزانية المقترحة مبدئياً على مسارات رئيسية تُغطي مشروعات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية في الضفة وغزة بقيمة 45 مليار دولار، إلى جانب مشروع الربط الجغرافي المباشر بين غزة والضفة بقيمة 5 مليارات دولار، إضافة إلى تمويل الحزمة الاستثمارية الخاصة بدول الجوار لضمان انخراط البيئة الإقليمية في هذه الديناميكية التنموية.
ثالثاً: قراءة نقدية تحليليّة: بين الواقعية الاقتصادية والمعوقات السياسية
تُظهر المقاربة الألمانية التحليلية — القائمة على تقييم البنى المؤسسية والمدخلات والمخرجات بعيداً عن العواطف — أن طرح "كوشنير" يملك نقاط قوة ونقاط ضعف هيكلية يجب الوقوف عليها بوضوح:
الإيجابيات والفرص:
* تجاوز الجمود الإداري: تقدم الخطة بدائل عملية للتضخم الوظيفي والهدر المالي الذي يعاني منه قطاع المساعدات التقليدي؛ إذ يسعى النموذج إلى تحويل المجتمع الفلسطيني من اقتصاد معتمد كلياً على المساعدات والهبات الدولية (كأونروا والدعم المباشر للسلطة) إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على الاستثمار الرأسمالي.
* البنية التحتية الإقليمية: المعالجة الحضرية والاقتصادية لمسألة الربط بين غزة والضفة، وتأمين موارد الطاقة والمياه عبر مشاريع إقليمية مشتركة، تُعدّ خطوة منطقية لا غنى عنها لأي كيان سياسي مستقبلي.
السلبيات والمعوقات الهيكلية:
* المأزق السياسي في سوريا ولبنان: تفترض الخطة إمكانية دمج سوريا ولبنان في مشروعات استثمارية عابرة للحدود. واقعياً، تعاني سوريا من تداعيات الحرب ومستقبل سياسي معقد يتطلب عقوداً للإعمار والتأهيل المؤسسي، ناهيك عن التواجد النفوذي الدولي والبرغماتي على أراضيها. أما في لبنان، فإن المحاصصة السياسية ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بالإقليم (وفي مقدمتها حزب الله) يجعلانه بيئة عالية المخاطر استثمارياً، ما قد يعطل أي مشروع تنموي متكامل قبل أن يبدأ.
* إغفال العقد السياسي البنيوي: يعيب النموذج الاقتصادي افتراضه إمكانية تحقيق "ازدهار" مستدام في ظل غياب أفق سياسي محدد وحاسم لمعالجة قضايا الوضع النهائي (الحدود، القدس، والسيادة). الاقتصاد هو خادم للمشروع السياسي وليس بديلاً عنه.
ختاماً: الحوار المشروط والبدائل المتاحة
إن أزمة الحوكمة لدى السلطة الفلسطينية، وتراجع الكفاءة الإدارية والهيكلية للقطاع العام منذ تأسيسها، إلى جانب صعود أطراف راديكالية، جعلت القوى الدولية والإقليمية تبحث عن معادلات جديدة للحل. لم تعد مبادرة السلام العربية (المطروحة بجهود الملك فهد والملك عبد الله) كافية لوحدها في ظل متغيرات الديناميكيات الدولية.
من هذا المنطلق، لا يُشكل الانكفاء أو المقاطعة المطلقة لمؤتمر البحرين خياراً استراتيجياً حصيفاً. الحوار والبرغماتية السياسية يتطلبان الحضور والطرح، ليس بالضرورة للقبول المشروط، بل لتقديم "خطة بديلة" (Counter-Plan) تمتلك الواقعية الاقتصادية وتستند إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون والسوق الحر. غياب الطرح البديل سيعني ترك الساحة للترتيبات المتوفرة، وتحويل القضية الفلسطينية تدريجياً إلى ملف إدارة إنسانية واقتصادية يُدار برغماتياً وإعلامياً دون حلول جذرية.
Comments
Post a Comment