من وحي الحقوق: التقييم الأخلاقي والهيكلي للشيوعية في إطار الجيوسياسية المعاصرة

تُشكل العودة المتسارعة للتنافس بين القوى العظمى أحد أبرز معالم المشهد الاستراتيجي الراهن. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بدا وكأن النظام الدولي المتعدد الأطراف يتجه نحو هيمنة أحادية القطبية تقودها الولايات المتحدة عبر نموذج الشفافية والتجارة الحرّة. غير أن حالة الركود أو الاسترخاء الاستراتيجي التي رافقت تلك الفترة أتاحت مساحة لظهور صعود منتظم لقوى شمولية ومستبدة—وعلى رأسها الصين وروسيا—نجحت في تفادي السقوط المؤسسي وصياغة نماذج حوكمة هجينة تجمع بين السيطرة الصارمة وتكييف أدوات السوق خدمةً للبقاء السياسي.
في هذا السياق، يتصاعد في بعض أوساط الناميات تساؤل مبسط: "إذا كانت التجربة مع الغرب الرأسمالي لم تحقق التنمية المنشودة، فلماذا لا يتم تجربة النموذج الشيوعي الصيني؟" إن هذا الطرح يغفل حقيقة بنيوية مفادها أن القوى العظمى، بغض النظر عن لافتاتها الأيديولوجية، تعمل وفق مقتضيات المصالح الجيوستراتيجية وموازين القوى، وليس وفق أبعاد إيثارية. والأهم من ذلك، أنه يستدعي مراجعة تفكيكية واضحة لمدى صلاحية الفكر الشيوعي من منظور حقوقي وأخلاقي.
الفجوة البنيوية بين النوايا والسلوك التنظيمي
تقوم المدرسة التحليلية الصارمة في العلوم السياسية على قياس النظم بأفعالها ومخرجاتها الميدانية وليس بالنوايا المعلنة للمنظورات الأيديولوجية. تعتمد الأدبيات النظرية للشيوعية والاشتراكية على طرح يروج لعدالة التوزيع والمساواة المطلقة وتجاوز الاستغلال الطبقي—وهي مبادئ قد تبدو مثالية في ظاهرها. بيد أن التطبيق الميداني عبر القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين أثبت وجود خلل هيكلي في ترجمة المنظومة النظرية إلى واقع مؤسسي.
في مقابل ذلك، ترتكز الرأسمالية الليبرالية على واقعية تتعلق الطبيعة البشرية والتنوع الفردي. إنها تشجع المبادرة الفردية والابتكار وتوفر أطرًا قانونية لحماية الملكية وحرية الاختيار. ومع وجود ثغرات في النماذج الرأسمالية تنجم عن التفاوت الاقتصادي أو تركز الثروة، فإن الميزة الأساسية للنظام الليبرالي تكمن في قابلية الإصلاح والتعديل الذاتي؛ حيث تتيح الصحافة الحرة والقضاء المستقل والانتخابات الدورية آليات لمعالجة التشوهات المؤسسية.
أما النظم الشمولية القائمة على الأيديولوجيا الشيوعية، فتنزع بطبيعتها نحو احتكار السلطة وسحق الفرد لصالح الشعار الجمعي. إن المحاولة القسرية لفرض المساواة بين جميع أفراد المجتمع—على اختلاف مهاراتهم، كالطبيب والمهندس والمزارع—تتطلب بالضرورة تركيزًا مطلقًا للسلطة في أيدي جهاز دولة متضخم، وهو ما يقود حتمًا إلى الاستبداد وإلغاء حرية التعبير وإفقار الفرد سياسيًا واقتصاديًا.
التكلفة البشرية والسجل الأخلاقي
عند تفكيك السجل التاريخي للحكم الشيوعي، تتضح جسامة الخسائر البشرية الناجمة عن الهندسة الاجتماعية القسرية. بالرجوع إلى الدراسات الأكاديمية والتوثيقية الحديثة—ومن أبرزها العمل الموسوعي "الكتاب الأسود للشيوعية" الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد بمشاركة باحثين متخصصين من "المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي" (CNRS)—تتأكد الأرقام التقديرية للضحايا المدنيين جراء القمع المباشر، والمجاعات المصنوعة سياسيًا، ومعسكرات السخرة:
 * الاتحاد السوفيتي: تقديرات تصل إلى نحو 20 مليون قتيل، شملت التصفيات الاستالينية وتجارب التهجير القسري ومجاعة "الهولودومور" في أكرانيا (1932-1933)، إضافة إلى شبكة معسكرات السخرة "الغولاج".
 * الصين: تقديرات تتراوح بين 45 إلى 65 مليون قتيل، لاسيما خلال حملة "القفزة الكبرى إلى الأمام" (1958-1962) التي تسببت بأكبر مجاعة في التاريخ الحديث، يعقبها القمع الممنهج خلال "الثورة الثقافية".
 * كمبوديا: مقتل نحو 1.5 إلى 2 مليون شخص على يد نظام الخمير الحمراء (1975-1979)، وهو ما يمثل ربع السكان تقريبًا في أسرع عملية إبادة جماعية في التاريخ.
 * مناطق أخرى: تتوزع باقي التقديرات بين كورية الشمالية (حوالي مليوني قتيل بسبب القمع والمجاعات السياسية)، وفيتنام، وأوروبا الشرقية، وإثيوبيا تحت حكم نظام "المينغستو".
ولا تقتصر التكلفة على أرقام الوفيات فقط، بل تمتد إلى القمع الممنهج لجميع أشكال الحقوق المدنية، وسلب حرية التنقل والتعبير والملكية، وغياب القضاء المستقل.
القراءة الجيوسياسية والتحديات المعاصرة
إن إغفال هذه الحقائق التاريخية أو التعامل معها بسطحية يرتبط بعاملين رئيسيين:
 * القصور المعرفي والانسياق خلف الشعارات: انجراف بعض الفئات وسهولة تأثرها بالخطابات الرنانة التي تدغدغ العواطف وتحمل وعودًا خيالية بحلول سريعة لمشاكل الفقر والتفاوت الاقتصادي، دون إدراك للثمن السياسي والحقوقي المترتب عليها.
 * التجاهل الانتقائي: اختيار بعض الأطراف النفعية أو الأيديولوجية غض الطرف عن الفوالق الأخلاقية للأنظمة الشمولية بداعي مناهضة المركزية الغربية أو لتحقيق مكاسب استراتيجية ضيقة.
إن فهم السجل الحقوقي للشيوعية ليس مجرد تمرين تاريخي، بل هو ضرورة استراتيجية وأخلاقية. فالأنظمة التي تنشأ على إلغاء التعددية وحظر النقد وإخضاع الفرد للدولة تميل بطبيعتها إلى اعتماد سلوكيات غير مرنة في علاقاتها الدولية أيضًا. إن المجتمعات الحرة والناشئة بحاجة إلى بناء نموذج نموها استنادًا إلى قواعد دولة القانون، وتنافسية السوق، وتطبيق سياسات عامة قائمة على أدلة علمية واقتصادية صلبة، بعيدًا عن الارتهان لأوهام التخطيط المركزي أو الوعد الشمولي.
ختامًا، إن التقييم الموضوعي للنظم السياسية يفرض التمييز بين النظريات المثالية والأداء الواقعي. فالرأسمالية القائمة على دولة المؤسسات وسيادة القانون، رغم ما تعانيه من تحديات هيكلية متجددة، تظل المنظومة الوحيدة القابلة للمساءلة والتطوير، والتي أثبتت قدرتها على توليد الثروة وحماية الحريات الأساسية مقارنة بالنماذج المغلقة التي تقيد الفرد وتكبح صعود المجتمعات.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

The Resident Power Paradox: A Critical Analysis of France’s Indo-Pacific Strategy