عقدة الرندرة السياسية: تفكيك البنية التكتيكية والعقائدية للعلاقات الأردنية القطرية وتوازنات الإقليم
تقتضي قراءة ملف العلاقات بين عمان والدوحة تجريد المشهد من البلاغة العاطفية المعتادة، وإخضاعه لمنهجية تحليلية صلبة تقيس السلوك السياسي بمتغيرات المصلحة، التموضع الإستراتيجي، وإدارة الأزمات. إن المتأمل في تاريخ العلاقات التي انطلقت رسمياً على مستوى السفراء عام 1972 يتضح له أن هذا المسار لم يكن يوماً مجرد خلافات بروتوكولية، بل انعكاساً لتباين بنيوي عميق بين عقيدتين سياسيتين: عقيدة "الدولة الوطنية العقلانية" المنظّمة مؤسسياً في الأردن، وعقيدة "الدولة الشبكية والمناورة الناعمة" المستندة للوفرة المالية والتوظيف الإعلامي والوساطات غير التقليدية في قطر.
أولاً: البعد التاريخي والتركيبة الجيوسياسية ومحددات القوة
تُقدم التجربتان الأردنية والقطرية نموذجَيْن متباينَيْن في كيفية التعاطي مع إكراهات الجغرافيا والتاريخ وشح الموارد أو وفرتها. ينطلق الأردن من بيئة استراتيجية تحكمها جغرافيا معقدة، وشح في الموارد الطبيعية، وموقع جيوسياسي حساس فرض عليه بناء عقيدة بقاء قائمة على التوازن الاستراتيجي الحذر والمؤسسية الأمنية والعسكرية الصارمة. في المقابل، تُحرك الدوحة وفرة مالية هيدروكربونية ضخمة، مع مساحة جغرافية صغرى وعدد سكان محدود، مما دفعها نحو ممارسة مناورة جيوسياسية مرنة وبناء تحالفات متعددة الأطراف ومتناقضة في آن واحد.
استندت قطر في مرحلة ما قبل الاستقلال عام 1971 إلى الخبرات الكوادرية الأردنية لتأسيس بنيتها القانونية والتعليمية والعسكرية. غير أن التحول البنيوي في السلوك الخارجي للدوحة بدأ يتبلور مع التوسع في استغلال الموارد الهيدروكربونية (النفط والغاز)، حيث لعبت بيوتات تجارية بارزة—وفي مقدمتها عائلة «آل درويش فخرو» عبر عقود المقاولات والتوريد مع شركة النفط الإنجليزية-القطرية منذ ثلاثينيات القرن الماضي—دوراً محوريّاً في ربط الاقتصاد المحلي بالأسواق والشبكات المالية الدولية.
هذا التراكم المالي المباشر، المترابط مع شريان حقل «شمال فارس» المشترك جغرافياً مع إيران، أوجد للدوحة هامشاً مناوراً أتاح لها ممارسة سياستها الخارجية بمعزل عن المظلة الخليجية التقليدية، والتطلع إلى لعب دور «الوسيط النشط» عبر تمويل واستضافة أطراف غير حكومية حادة التوجه، والاعتماد على الذراع الإعلامية القوية كأداة ردع وتوجيه للرأي العام، مقابل الاعتماد الأردني على العقلانية الدبلوماسية والكفاءة المؤسسية.
ثانياً: تصادم النموذج المؤسسي مع التكتيكات الشبكية
تجسد التوتر بين النموذج السياسي الأردني—المستند إلى مفهوم الدولة الوطنية المركزية وحفظ الأمن القومي—والنموذج القطري المعتمد على استثمار الخطابات الراديكالية واستضافة الفاعلين من غير الدول، في عدة محطات مفصلية:
* السياق التاريخي لسبعينيات القرن الماضي: شكّل استقرار مؤسسات الدولة الأردنية أولوية قصوى إبان أحداث عام 1970، في حين اندفعت بعض القوى الإقليمية لتوظيف الفصائل الفلسطينية لفرض إرادات خارجية؛ وهو ما اصطدم مبكراً بالرؤية الأردنية التي تركز على حصانة القرار الوطني الداخلي ومنع وجود تنظيمات موازية.
* ملف حركة حماس ووساطة 1999: عندما اتخذت عمان قرارها السيادي بإبعاد قيادات حركة حماس (ومن بينهم خالد مشعل) لحماية سيادة الدولة، أخفقت الوساطة القطرية في استيعاب محددات الأمن القومي الأردني. وتحول الخلاف السياسي إلى حرب إعلامية عبر الذراع الإعلامي للدوحة «قناة الجزيرة»، التي اعتمدت تغطيات انحازت لموقف الحركة على حساب الموقف الرسمي الأردني، متجاهلة التقدير المعقد الذي أدارته الدولة الأردنية خلال حادثة محاولة اغتيال مشعل عام 1997 وإصرار الملك حسين بن طلال آنذاك على جلب الترياق وإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين.
* المنافسة في المنظمات الدولية والمحافل الرياضية:
* الأمم المتحدة (2006): تجسد الخلاف الدبلوماسي في دعم الدوحة للمرشح الكوري الجنوبي بان كي مون في انتخابات الأمين العام للأمم المتحدة على حساب المرشح الأردني الأمير زيد بن رعد، مما عكس تفضيل الدوحة للتوازنات الدولية العريضة على حساب دعم الاستحقاق العربي المتمثل بعمان.
* الاتحاد الآسيوي والفيفا (2010 - 2015): تكرر المشهد في أروقة الرياضة الدولية عند اصطفاف قطر ضد ترشح الأمير علي بن الحسين لنيابة رئاسة الاتحاد الآسيوي ثم لرئاسة «الفيفا»، مستخدمة النفوذ المالي والشبكات الرياضية لتحجيم الدور الأردني في المنظمات الدولية.
* أزمة التشويش الفضائي (2010): اتهمت الشبكة الرياضية القطرية الأردن بالتشويش على بثها لمونديال جنوب أفريقيا من المنطقة الحرة في السلط، وهو ادعاء نفاه الأردن تقنياً مؤكداً أن ترددات البث وتغطيتها تتبع لمنظومات بث متداخلة، ليظهر التوظيف السياسوي لملف الرياضة والتغطيات الإعلامية وضخ الاتهامات دون إثباتات قطعية.
ثالثاً: الدبلوماسية الأردنية وأزمة 2017: الحياد العقلاني
خلال مقاطعة الدول الأربع لقطر في يونيو 2017، أدار الأردن الموقف بحسابات دقيقة للغاية؛ حيث اتخذت عمان قراراً بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي وليس قطعه كلياً، مع إغلاق مكتب الجزيرة. وأعلن الأردن بوضوح التزامه الحياد وعدم التورط في محاور الاستقطاب الخليجي، مبقياً على خيوط التواصل لحماية مصالح جاليته الكبيرة وتجنب الارتهانات السياسية المعقدة.
رابعاً: المشهد الداخلي ومخاطر تقاطع المال السياسي بالهوية الوطنية
يبرز في المشهد السياسي الأردني ضغط من التيار المحسوب على حركة الإخوان المسلمين باتجاه التطبيع الكامل للعلاقات مع قطر والاستفادة من المساعدات والاستثمارات الدوحيّة.
إن القراءة النقدية الهادئة لهذا الاتجاه تظهر مخاطر تحويل المساعدات أو الاستثمارات الخارجية إلى أداة اختراق سياسي أو مقايضة تمس القرار السيادي الأردني. إن الاقتصاد الأردني، رغم التحديات الهيكلية التي يعاني منها، يمتلك مقومات وموقعاً جيوسياسياً أثبت عبر العقود أن قرار مؤسساته الأردنية الصارمة غير قابل للبيع أو المساومة في سوق المحاور الإقليمية.
خامساً: خلاصة تحليلية
يمثل النموذج الأردني قدرة الدولة الوطنية الهيكلية على الصمود عبر المؤسسية والعقلانية الأمنية والسياسية رغم محدودية الموارد، في حين يمثل النموذج القطري قدرة الدول الصغرى ذات الوفرة المالية على صناعة نفوذ استثنائي عبر القوة الناعمة والوساطات المرنة.
إن العلاقات الأردنية القطرية محكومة بوجود تعارض هيكلي بين نموذج أردني عقلاني يبحث عن الاستقرار وتماسك الدولة الوطنية، ونموذج قطري يعتمد على التمويل والوساطات غير التقليدية وإدارة التناقضات الإقليمية. وإن أي مسار لإعادة بناء العلاقات على أسس متينة يتطلب بالضرورة احترام قطر للسيادة والمؤسسية الأردنية، والتوقف عن استخدام الورقة الأردنية—سواء عبر الملفات الاقتصادية أو تحريك الفاعلين الحزبيين في الداخل—كأداة ضمن تجاذباتها الخارجية.
Comments
Post a Comment