صناعة الوعي في مواجهة الشعبوية: دراسة تحليليّة لمهرجان أفينيون ودور الفن المسرحي
تفرض التطورات السياسية في القارة الأوروبية واقعاً متغيراً يتسم بصعود التيارات اليمينية المتطرفة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الآليات الكفيلة بحماية المؤسسات الديمقراطية والفكر الحر. وفي هذا السياق، يقدم الفن المسرحي نموذجاً عملياً لكيفية تشكيل الوعي الجمعي وإشراك المجتمع في مناظرات فكرية تتجاوز الشعار السياسي السطحي إلى التفكيك التحليلي لخلفيات الأزمات.
تجلت هذه الديناميكية بشكل واضح خلال الدورة الثالثة والسبعين لمهرجان أفينيون المسرحي؛ أحد أعرق المحافل الثقافية المؤثرة في أوروبا إلى جانب مهرجان إدنبرة. ففي مقابلات صحفية لمدير المهرجان، المخرج الفرنسي أوليفيه بي، برز الرهان على قدرة المسرح على بناء مناعة فكرية لمواجهة الخطاب الراديكالي، متخذاً من الذاكرة التاريخية وسيلة للتذكير بالتبعات الكارثية للتطرف السياسي.
السياسة والذاكرة: تصحيح المرجعية الجغرافية والتاريخية
من الضروري، عند معالجة هذه الظاهرة الثقافية، استنداد القراءة على دقة تاريخية وجغرافية محددة. نشأ مهرجان أفينيون عام 1947 على يد المسرحي جان فيلار في ساحة الشرف بقصر الباباوات في مدينة أفينيون بجلوب جنوب فرنسا—وليس في باريس كما يُشاع خطأً في بعض التغطيات. تعود أهمية الموقع إلى رمزيته التاريخية كمركز للبابوية في القرن الرابع عشر، مما أضفى على المهرجان طابعاً يدمج بين ثقل التراث وتحرير الفضاء العمومي لصالح الفنون والمعرفة الحديثة.
وفي إطار مقابلة أُجريت عبر قناة "France 24"، استعرض أوليفيه بي البعد الفكري لافتتاحية دورة المهرجان من خلال العمل المسرحي الضخم "(Architecture)" أو "أرشيتكتور". النص للكاتب والمسرحي الفرنسي باسكال رامبير—الحائز على جائزة المسرح من الأكاديمية الفرنسية عام 2016. تناولت المسرحية تفكك عائلة نمساوية تتألف من نخبة مفكرة (فيلسوف، رسام، موسيقي، وطبيب) عشية ضم ألمانيا النازية للنمسا (الأنشلوص) في ثلاثينيات القرن الماضي.
يستعرض هذا العمل الانهيار التدريجي للبنى العقلانية والجمالية أمام زحف الأيديولوجيات الشمولية. الفكرة المحورية هنا ليست مجرد استعادة للماضي، بل تقديم تحليل بنوي لكيفية تآكل الطبقات الثقافية حين تعجز عن تقديم بديل مؤسسي صلب ومبني على التحليل العقلاني.
المعايير المؤسسية وإدارة الكفاءة: نقد العاطفة الشعبوية
من النقاط الفكرية التي تستحق الوقوف عندها ما دار حول كواليس إدارة العمل؛ حيث أثير التساؤل عن سبب عدم إخراج أوليفيه بي للمسرحية بنفسه رغم موقعه الإداري، ولماذا استعان بشاعرة للمساهمة في بناء النص وتوجيهه.
الرد لم يعتمد على الخطاب الشعبي أو المجاملات الشائعة حول "المشاعر"، بل استند إلى تحديد دقيق للمهمة والكفاءة المطلوبتين: التعامل مع نص يتسم بالتركيب اللغوي والرمزي ويناقش قضايا الهوية والتفكك الإنساني يقتضي أدوات شعرية ونقدية متخصصة لا تتوفر بالضرورة لمخرج مسرحي تنفيذي.
هذا الفصل بين الموقع الإداري والقيادة الفنية يعكس منهجاً مؤسسياً يعتمد على تقسيم العمل والاعتراف بالحدود الذاتية للكفاءة، وهو مفهوم غائب بدرجة كبيرة عن بيئات إدارة المؤسسات في العالم العربي، حيث تتداخل القرارات الإدارية مع الاعتبارات الشخصية والعاطفية، مما يفقد العملية الثقافية حيادها وموضوعيتها.
قراءة نقدية: الحدود والسلبيات في الاستراتيجية الثقافية الأوروبية
رغم التماسك الظاهري لهذه المبادرات، إلا أن القراءة النقدية التحليلية تدعو إلى إبراز جوانب القصور والإيجابيات بصورة متوازنة:
* الإيجابيات:
* استعادة الذاكرة كأداة تحذيرية: إعادة قراءة تجارب الحركات الشمولية عبر الفنون تعزز التفكير النقدي وتمنح المجتمعات قدرة على رصد مؤشرات الانزلاق نحو الراديكالية.
* الانفتاح الثقافي: استمرار التفاعل مع الإنتاج المسرحي المتنوع—ومن ضمنه الحضور العربي المتزايد في الدورات الأخيرة للمهرجان—يُسهم في بناء جسور فكرية عابرة للحدود الوطنية.
* العقلانية الإدارية: الاحتكام إلى معايير التخصص والكفاءة بعيداً عن السلطوية الشخصية في المؤسسات الثقافية.
* السلبيات والتحديات:
* النخبوية والانفصال عن القواعد: يعاب على هذه الاستراتيجيات المسرحية أنها توجه غالباً للجمهور الثقافي والنخبوي المتواجد في المحافل الكبرى، بينما تعجز عن الوصول إلى القواعد الشعبية التي تمثل خزان القوة الانتخابية للتيارات المتطرفة.
* تأطير الموقف السياسي: محاولة توجيه المهرجانات الثقافية نحو استهداف تيار سياسي محدد بصورة مباشرة قد تُحول الفن من مساحة للحوار الفلسفي المفتوح إلى أداة سجال سياسي مباشر، مما يفقد العمل جزءاً من قيمته الاستقلالية والجمالية.
استحقاقات الثقافة العربية: من العاطفة إلى البناء العقلاني
إن صناعة الوعي ليست عملية شحن عاطفي أو تعبئة جماهيرية، بل هي بناء مؤسسي يقوم على العلم، والتفكير النقدي، وفهم الميكانيزمات النفسية والاجتماعية التي تحرك المجتمعات.
تظهر هذه المقارنة الفجوة بين النهج الذي يستند إلى تحليل الأسباب والجذور وبين النهج الشعبي القائم على الحلول السطحية والشعارات العاطفية. لن تتأتى مواجهة مشكلات التطرف، والفساد الإداري، والتراجع الفكري في المنطقة العربية إلا عبر التخلي عن النظرة العاطفية للقرارات، وتبني أدوات الإدارة العقلانية الحديثة التي تضع الشخص المناسب في الموقع المناسب استناداً إلى معايير الكفاءة المعرفية والتخصص، بعيداً عن الأيدولوجيات أو الاستقطابات الضيقة.
Comments
Post a Comment