المعضلة الهيكلية للهندسة السياسية الألمانية: تحولات المركز وصعود اليمين الشعبوي

ينسب للمستشار الألماني الأسبق أوتو فون بسمارك قوله إن السياسة هي "فن الممكن ومجال التجربة المستمرة"؛ إلا أن المتأمل في التاريخ السياسي الألماني يدرك أن ما يحكم الهيكلية العقلانية للمجتمع الألماني ليس مجرد "الممكن"، بل قدرتها البنيوية الدائمة على إعادة إنتاج ذاتها كلما واجهت اختلالات في تركيبتها الهرمية.
منذ الحقبة الجرمانية القديمة، مروراً بالإصلاح الديني المسيحي الذي قاده مارتن لوثر عبر تحرير النص الإنجيلي من احتكار الفاتيكان وترجمته للغة الشعب، وصولاً إلى حركة "الهاسكالا" أو الإصلاح الديني اليهودي الذي أرسى دعائمه موسى مندلسون، كان العقل الألماني متجدداً باستمرار. تلك المحطات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل مثّلت آليات إعادة هيكلة شاملة أثرت في فلسفة الحكم والاجتماع البشري عالمياً.
وحين يتناول الفكر السياسي مفهوم السلطة التنفيذية في ألمانيا، تتشكل في الذاكرة التنويرية قائمة تتكون من أربعة أو خمسة مستشارين رسموا معالم الدولة العصرية: أولهم أوتو فون بسمارك، مؤسس الاتحاد الأسبق وفيلسوف القيادة الواقعية (Realpolitik)، ثم كونراد أديناور المهندس الأول لألمانيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية الذي أعاد دمج البلاد في المنظومة الغربية، يتلوه هيلموت كول مستشار الوحدة الألمانية والأوروبية، وصولاً إلى أنغيلا ميركل التي باتت أطول المستشارين خدمة في تاريخ ألمانيا الاتحادية المعاصر مكرسةً نموذجاً استثنائياً للقيادة البرغماتية.
لقد كانت الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية صعبةً وشاقة، وتجلى الحدث الأبرز عام 1949 بتأسيس دولتين لجسد واحد: ألمانيا الغربية الاتحادية (FRG) وألمانيا الشرقية الديمقراطية (GDR). وتحملت ألمانيا الغربية الأعباء الاقتصادية الضخمة لنهضتها ذاتياً، ثم موازنة تلك النهضة لاحقاً مع الشرق عقب إعادة التوحيد. ورغم أن ألمانيا الشرقية كانت تُعد رسمياً قوة اقتصادية بارزة داخل الكتلة الشرقية، إلا أنها عانت من نزيف سكاني مستمر ناتج عن الهجرة نحو الغرب؛ ففي حين بلغ عدد سكان الشرق نحو 18 مليون نسمة في الخمسينيات، انخفض الرقم إلى زهاء 16 مليونا عشية التوحيد، مما يعكس فشل النظام الشمولي البروليتاري في تحقيق الرفاه الاجتماعي والحرية الفردية مقارنة بالنظام الليبرالي الغربي. ومع خريف عام 1990، ركز هيلموت كول على توجيه برامج الأحزاب التقليدية نحو الاستثمار الحقيقي في الولايات الشرقية وتذليل الفجوة الاقتصادية بين رفاه أبناء الغرب وبقايا الطبقة العمالية الأفقرة في الشرق.
على مدى عقود، اعتمدت ألمانيا نظام حوكمة قائماً على التوازن الديمقراطي بين حزبين رئيسيين يمثلان الوسط السياسي: الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU/CSU) الذي يمثل اليمين المحافظ، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) الذي يمثل يسار الوسط. وشاركت أحزاب المعارضة المتمثلة في حزب الخضر (Bündnis 90/Die Grünen) وحزب اليسار (Die Linke) والحزب الديمقراطي الحر (FDP) في ضبط التوازن البرلماني داخل البوندستاغ.
غير أن الفترة الممتدة منذ نهاية عهد المستشار غيرهارد شرويدر شهدت بداية تراجع الفكر الفلسفي والسياسي داخل حزب الاشتراكيين الديمقراطيين. وعلى الرغم من حضور قيادات بارزة مثل زيغمار غابرييل ومارتن شولتز وأولاف شولتز، إلا أن الاعتماد المفرط على حكومات الائتلاف العريض (Große Koalition) أدى إلى تماهي الفوارق الأيديولوجية بين الحزبين الكبيرين. هذا التيبس في أداء الوسط المحافظ والضعف الهيكلي لدى اليسار التقليدي خلقا مساحة فارغة في المشهد السياسي، تزامنت مع صعود حركات يمين شعبوي في جميع أنحاء أوروبا (مثل حركة "خمس نجوم" في إيطاليا، والجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان في فرنسا، وحكومة فيكتور أوربان في المجر). وأسفر ذلك عن ميلاد حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) كقوة يمين متطرف جديدة دخلت البرلمان الألماني لتكسر المعادلة التقليدية الخماسية وتصبح القوة السادسة داخل البوندستاغ.
تتجلى الخطورة في القراءة السطحية للصعود اليميني؛ ففي انتخابات البوندستاغ لعام 2017، فشل حزب البديل في تجاوز المرتبة الرابعة وطنياً، كما لم يحقق الاختراق المأمول على المستوى الأوروبي مقارنة بنظرائه في فرنسا وإيطاليا. إلا أن ثقله الحقيقي يكمن في استغلال الهويات الإقليمية والمشاعر الناجمة عن الفجوات الاقتصادية والهيكلية في الولايات الشرقية. وقد شكلت أحداث مدينة "كيمنتس" (Chemnitz) محطة فارقة اختبرت مدى تماسك دولة القانون والمؤسسات أمام تحركات اليمين المتطرف. وعلى الرغم من محاولات التوظيف السياسي للملفات الداكنة مثل الهجرة والمواطنة، أظهر الناخب الألماني عموماً ميلاً نحو الخيارات الليبرالية الحديثة والوسطية المتمثلة في صعود أسهم الخضر وحزب الديمقراطيين الأحرار، معبرين عن رفض قطبي اليسار واليمين الراديكاليين.
ومع اقتراب نهاية العهد السياسي للمستشارة ميركل وتسليم قيادة الحزب لأنجريت كرامب كارينباور، وتبوؤ أورسولا فون دير لاين رئاسة المفوضية الأوروبية، يتجدد الرهان على قدرة مؤسسات الوسط الديمقراطي على احتواء الموجة الشعبوية. وتستدعي النتائج الانتخابية الأخيرة في ولاية ساكسونيا توقفاً تحليلياً عميقاً؛ فمن جهة، حافظ الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) بقيادة ميخائيل كريتشمر على الصدارة وحسم رئاسة الحكومة بانتزاعه نسبة 32.1% من الأصوات، مما يُبقي الولايات الشرقية شكلياً تحت مظلة اعتداءات الوسط، لكن اختراق حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) وتحقيقه المركز الثاني بنسبة استثنائية بلغت 27.5% يُعد تحولاً تاريخياً غير مسبوق في المشهد السياسي الشرقي منذ تأسيس الاتحاد، متفوقاً بوضوح على حزب اليسار (Die Linke) الذي تراجع إلى 10.4%، وحزب الخضر الذي سجل 8.6%، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) الذي تقهقر إلى 7.7%.
إن تراجع حزب اليسار التقليدي لصالح اليمين المتطرف في ساكسونيا يوجب على قيادات أحزاب الوسط إعادة تقييم أدواتها السياسية. فالرد على الخطاب الشعبوي لا يكون بالهروب خلف الشعارات العاطفية أو التقليل من انشغالات المواطنين بشأن الأمان والخدمات الأساسية، بل بتبني استراتيجيات عقلانية قائمة على الحلول البرغماتية، وتعزيز نموذج السوق الاجتماعي الحر، وتأكيد مبادئ سيادة القانون بعيداً عن الاستقطاب الأيديولوجي الضيق. إن التاريخ الألماني يثبت دائماً أن الاستقرار الدائم يعتمد على كفاءة المؤسسات وقدرة قوى الوسط الليبرالي المحافظ على الابتكار وتجديد العقد الاجتماعي وفق متطلبات العصر.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban