بين البراغماتية الألمانية والنزعة السلطوية: هل تطوي أنقرة صفحة "المحركات الثلاثة"؟

تستحضر الأدبيات السياسية الألمانية مقولة فكرية عميقة للفيلسوف والمفكر المصري زكي نجيب محمود من كتابه "قيم من التراث"، حين صاغ جوهر الفلسفة العقلانية بقوله: «الأصل في الفكر (إذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم) هو أن يكون حواراً بين (لا) و (نعم) وما يتوسطهما من ظلال وأطياف، فلا الرفض المطلق الأعمى يعد فكراً، ولا القبول المطلق الأعمى يعد فكراً؛ ففي الأول عناد الأطفال، وفي الثاني طاعة للعبيد».
تتجسد هذه العقلانية النقدية التي تفاضل بين المؤسسية والأشخاص في التجربة السياسية للجمهورية الاتحادية الألمانية؛ ولعل النموذج الأبرز يكمن في سيرة المستشار الراحل هيلموت كول. تقلد كول ألقاباً شتى: "عمود الاقتصاد"، "جنرال الوحدة"، و"مهندس الإدماج الأوروبي". وعلى الرغم من خروجه المأساوي من المشهد عقب فضيحة "الحسابات السرية" والتمويل غير المشروع لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي (CDU) في أواخر التسعينيات—والتي أدت إلى عزله حزبيًا وتواريه عن العمل العام—فإن العقل السياسي الألماني مارس فصلاً منهجياً بين الخطيئة الشخصية والإنجاز المؤسسي البنيوي.
فإذا ما زار المرء مقر الحزب في شارع "كلينغلهوفر" رقم 8 ببرلين (مبنى كونراد أديناور)، سيجد حضوراً محترماً لصورة كول وإرثه في بناء ألمانيا الحديثة. تتجلى هناك المؤسسية التي تُقيم التجربة بناءً على التوازنات العقلانية؛ حيث لا يلغي الخطأ البشري الفادح المحصلة التاريخية للمؤسسة.
تفكيك "المحركات الثلاثة" لتجربة العدالة والتنمية
بالانتقال إلى المشهد التركي، يظهر تباين صارخ مع النمط الألماني. يعتمد النظام السياسي الراهن مساراً يقترب من الهيمنة الفردية على حساب التكنوقراطية والمؤسسية التي شكلت الركيزة الأساسية لنهضة البلاد في عقدها الأول من القرن الحالي.
لقد قامت معادلة الحكم في حزب العدالة والتنمية على ثلاثة محركات هيكلية مكملة لشخصية رجب طيب أردوغان الكاريزمية:
 * عبد الله غول: الدبلوماسي الحذر ورأس الدولة المفاوض مع الغرب.
 * علي باباجان: التكنوقراطي والمهندس المالي المقبول دولياً، والذي شغل مناصب وزارية رفيعة وأشرف على إدارة الملف الاقتصادي.
 * أحمد داوود أوغلو: العقل الاستراتيجي والأكاديمي الذي صاغ نظرية "العمق الاستراتيجي".
صُنّف داوود أوغلو في عام 2010 (وليس 2012 كما تشير بعض التقديرات الصحفية الشائعة) ضمن قائمة "مجلة فورين بوليسي" لأبرز المفكرين العالميّين، بصفته مَكّن الدبلوماسية التركية من بناء جسور مرنة وتصفير المشاكل الإقليمية. وعلى الجانب الآخر، شَكّل باباجان الضامن المؤسسي للاقتصاد التركي، حيث قاد استراتيجيات الهيكلة المالية والاستثمار الأجنبي المباشر بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، مما أسهم في انضمام تركيا المؤثر لمجموعة العشرين (G20) وفتح مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 2005.
التحول نحو المحسوبية والانغلاق الاستراتيجي
لم تكن الاستقالات والانسحابات المتتالية لهؤلاء القادة المؤسسين مجرد خلافات حزبية عابرة، بل كانت نتاج تحول بنيوي عميق في هندسة السلطة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة صيف 2016، وما تلاها من استفتاء التحول إلى النظام الرئاسي عام 2017.
شهدت هذه المرحلة تفكيك النواة التكنوقراطية لصالح حسابات المحسوبية السياسية والدائرة الضيقة، والتي تمثلت في تقديم الشخصيات الموالية وتعيين المقربين في مناصب مفصلية، كإسناد وزارة الخزانة والمالية لصهره بيرات البيرق. شابهت هذه الخطوة سلوكيات الإدارات الشعبوية القائمة على ترسيخ النفوذ العائلي على حساب الكفاءة والخبرة الميدانية.
تزامن ذلك مع صعود تيارات المحافظة القومية المتشددة وشخصيات تعتمد النبرة الحادة والحلول الأنيقة للأزمات المعقدة—مثل بن علي يلدريم ومولود جاويش أوغلو—حيث تم استبدال المرونة الاستراتيجية والقوة الناعمة بسياسات الاستقطاب والتجييش العاطفي، والاعتماد على الخطاب الديني التجييشي لضمان الكتلة الناخبة المحافظة.
أزمة الحوكمة وآفاق المستقبل السياساتي
تشير القراءات التحليلية للمشهد التركي الداخلي إلى أن انسحاب قامة بحجم باباجان بفكره الليبرالي الاقتصادي، وداوود أوغلو بمنظوره الجيوسياسي، كان اعتراضاً على انحراف المسار الديمقراطي والمؤسسي، بدءاً من التساؤلات العميقة حول إدارة الملفات الأمنية المعقدة غداة أحداث 2016، وصولاً إلى الارتهان المبالغ فيه للتفاهمات مع روسيا على حساب الشراكات التاريخية مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
إن المقارنة بين النموذج الألماني القائم على المؤسسية الشفافة والتحليل العقلاني للسياسات، وبين النموذج الرئاسي التركي الحاضر، تعكس أزمة أعمق تتجاوز الأشخاص؛ إنها أزمة "الحوكمة". فالإدارة الاقتصاديّة والسياسات الخارجية لا تستقيم بالاعتماد على الفردانية أو الخطابات الحماسية، بل تتطلب استعادة قواعد التوازن المؤسسي، وحرية الأسواق، ودولة القانون.
إن البراغماتية السياسية تقتضي مراجعة المسار الخاطئ وتدارك آثاره والعودة عنه مهما طالت المأساة، إذ تُظهر التجارب التاريخية أن الأنظمة التي تستغني عن عقولها التكنوقراطية لصالح الانغلاق السلطوي، تغامر باستقرارها المالي وجاذبيتها الجيوسياسية على المدى الطويل.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?