فيروس الذكورية وجرثومة النظام الأبوي ...
اختبار الإجهاد المجتمعي: كيف تكشف أزمة "كوفيد-19" عن الهشاشة الهيكلية للعقد الاجتماعي العربي
تُشكل الأزمات الاستثنائية الحادة ما يُعرف في الأدبيات التحليلية الألمانية بـ Stresstest (اختبار الإجهاد) للمؤسسات والأنظمة الاجتماعية. ومع تفشي وباء كورونا المستجد والحجر المنزلي الشامل، لم تعد التحديات محصورة في القطاع الصحي أو الصدمات الاقتصادية، بل امتدت لتكشف التصدعات العميقة في البنية الهيكلية للمجتمعات العربية.
إن الحادثة المؤلمة المعاصرة المتعلقة بانتشار مقطع الفيديو الاستغاثي للمواطنة الأردنية إيمان الخطيب -التي تعرضت للتعنيف الأسري المشدد أثناء فترة الإغلاق التام وناشدت السلطات لإنقاذها هي وطفلها- ليست مجرد حالة فردية معزولة، بل هي العرض الخارجي لـ "مرض أساسي" أكثرا عمقاً وتجذراً: طغيان المنظومة الأبوية التقليدية وعجز التشريعات المؤسسية عن حماية المواطنة الفردية.
معضلة العقد الاجتماعي والشرعية العرجاء
في أوقات الأزمات الكبرى، تميل الخطابات المحافظة إلى تسويق مقولة "ليس هذا الوقت المناسب لمناقشة الحقوق والحريات الفردية"، بحجة صب الاهتمام حصراً على المواجهة البايولوجية للوباء. لكن القراءة التحليلية المنهجية تدحض هذا الطرح؛ فالأزمات الحادة هي بالتدقيق اللحظة الأكثر ملاءمة لإجراء مراجعة شاملة للنموذج الهيكلي القائم.
يعيدنا التوتر الراهن إلى أطروحات الفكر السياسي التنويري حول ماهية الدولة ومبرر وجودها. كان توماس بين (Thomas Paine) قد أشار في أدبياته التأسيسية حول العقد الاجتماعي إلى أن "الحكومة حتى في أفضل حالاتها ليست سوى شر ضروري، وفي أسوأ حالاتها حالة لا تطاق". وتتجسد "الحالة التي لا تطاق" عندما يتنازل الفرد عن جزء من حريته لصالح السلطة لقاء أمنه وحمايته، ثم تكشف المنظومة الأمنية والقضائية عن عجز اختباري في توفير الحماية الأساسية للأفراد داخل الفضاء الخاص من بطش الهياكل الأبوية.
تُظهر البيانات والواقع الميداني أن شريحة واسعة من المجتمع تعاين خللاً عميقاً في الأركان الثلاثة التأسيسية لأي بناء دولة حديثة:
* المنظومة القضائية: تراجع مستويات الثقة الاستثمارية والحقوقية في قدرة الأحكام القضائية على إنفاذ حماية سريعة وناجزة للمرأة والطفل، نتيجة اصطدام النصوص القانونية بقواعد الإثبات التقليدية والثقافة الذكورية للمؤسسات التنفيذية.
* المنظومة التعليمية: تلقين مناهج تقليدية تُكرس الأدوار النمطية للذكورة والأنثوية بدلاً من التأسيس لنماذج تحليلة نقدية قائمة على العقلانية والعلوم الحديثة.
* تداخل الدين بالتنظيم القانوني: إقحام المعايير الفقهية التأويلية في تشكيل العقد المدني الشامل، مما يحول التشريعات العامة إلى معايير انحيازية تحمي السلطة الأبوية على حساب مبدأ المواطنة القانونية المتساوية.
الراديكالية العقلانية: إرث بورقيبة وفرض الحقوق بالقانون
إن معالجة الفجوة بين الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط تستدعي استحضار التجربة الحداثية المقارنة. أدرك الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة وقتذاك المعضلة الهيكلية للعقل الجمعي العربي المكبوت تحت وطأة الثقافة التقليدية. كان بورقيبة يرى بوضوح تحليلي نادر أن المجتمعات العربية هُمشت فيها الأصوات الحداثية والعلمية لصالح سلطات تقليدية استدعائية تفصلها القرون عن العصر الحديث.
من هذا المنطلق، لم يراهن بورقيبة على "استفتاءات شعبية" لإقرار حقوق المرأة الأساسية؛ إذ كان يدرك أن الاستفتاء في مجتمع مُشبع بالثقافة الذكورية الملتفة بالغطاء الديني سيفضي حتماً إلى التصويت ضد التحرر. لذا اتبع ما يمكن تسميته "الحداثة القانونية المفروضة"، حيث صرّح بوضوح بأنه سيفرض حقوق المرأة وحرياتها بقوة التشريع والمؤسسات، ولن ينتظر ديمقراطية شعب منخدع بالهياكل الذكورية باسم الدين.
كانت نظرية بورقيبة قائمة على فهم سيكولوجي وعلمي متقدم للطبيعة البشرية؛ فالعلاقة بين الرجل والمرأة يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل والمواطنة، لا على افتراض أن المرأة مجبرة على إخفاء وجودها لمجرد أن الرجل عاجز عن ضبط غرائزه البايولوجية. وقد أثبتت التجربة التونسية عبر إصدار "مجلة الأحوال الشخصية" أن فرض الإصلاح التشريعي من الأعلى يسبق ويوجه التغيير الثقافي المجتمعي من الأسفل، ويخلق واقعاً هيكلياً جديداً يصعب الارتداد عنه.
الحاجة إلى نقلة حداثية في إدارة العقد الاجتماعي
على الرغم من توقيع أغلب الدول العربية على الاتفاقيات الدولية الحامية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، إلا أن التطبيق الفعلي يستمر بالاصطدام الجسيم بالتحفظات الهيكلية والاستثناءات القانونية التي تفرغ هذه المعاهدات من مضمونها التشريعي.
إن الاستمرار في معالجة القضايا المجتمعية عبر مسكنات موقتة أو الاستناد إلى "الرفاهية الديمقراطية" الشائعة دون تهيئة بنية علمية وتربوية تحمي الحريات الفردية، يحمل مخاطر الانزلاق نحو التفكك المجتمعي.
تتطلب الاستجابة للأزمة الراهنة تبني نموذج إصلاحي متكامل يقوم على الأركان التالية:
* التفعيل الكامل وغير المشروط للمعاهدات الدولية: فرض بنود الاتفاقيات الحقوقية كجزء لا يتجزأ من المبادئ الدستورية الوطنية العليا.
* إصلاح المنظومة القضائية والتنفيذية: إعادة هيكلة آليات الاستجابة الشُرطية والقضائية لحالات العنف الأسري، لضمان معالجة الحالات الطارئة بعيداً عن السلطة التقديرية الذكورية أو الحلول العشائرية والودية التلفيقية.
* تطوير المناهج التعليمية: استبدال مناهج التلقين بنماذج تفكير علمية ونقدية قائمة على مبادئ الفلسفة الحديثة والعلوم السياسية المتقدمة، وتجريد الفضاء العام من التدخلات الفقهية الشكلياتية.
إن أزمة كورونا لم تخلق المشاكل الهيكلية في مجتمعاتنا، بل وضعت المجهر عليها. وإن كفالة حماية الأفراد وتحديث العقد الاجتماعي على أسس علمية وحقوقية لم يعد خياراً فكرياً يُطرح للنقاش السياسي المتردّد، بل هو ضرورة وجودية صريحة لمنع انهيار البناء المجتمعي برمتة.
Comments
Post a Comment