بين فيروس الذكورية وجرثومة النظام الأبوي تقف #صرخات_أحلام عاجزة عن إحياء مجتمع ميت ... ‏

تفكيك العقد الاجتماعي المأزوم: العنف الأسري وسيادة القانون في الأردن في ظل جائحة كوفيد-19
أعادت الجائحة العالمية «كوفيد-19» فرض واقع استثنائي لم يقتصر على الضغوط الصحية والاقتصادية فحسب، بل امتد ليكشف عن العورات الهيكلية في البنى الاجتماعية والقانونية للعديد من مجتمعات الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي تسعى فيه الدول لمواجهة الأزمة الوبائية، تتكشف أزمات مسكوت عنها تمس صلب حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة. تأتي قضية الشابة الأردنية "أحلام"، التي قضت إثر عنف أسري مروع على يد والدها، لتضع المجتمع ومؤسسات الدولة أمام مراجعة حقيقية لمدى كفاية الأطر التشريعية والتنفيذية الحالية لحماية أفرادها، وتطرح أسئلة جوهرية حول العقد الاجتماعي القائم.
أزمة العقد الاجتماعي والشرعية المؤسسية
يشير الفكر السياسي الحديث، كما نص عليه "توماس بين" في طرحه للتحول الديمقراطي، إلى أن السلطة السياسية تجد مبرر وجودها فقط في قدرتها على حماية الحقوق الأساسية للأفراد. وفي السياق الأردني، تكشف هذه الجريمة وما تلاها من ردود فعل مجتمعية عن فجوة عميقة في الثقة بالمؤسسات القضائية والتنفيذية، خاصة فيما يتعلق بقضايا العنف القائم على الجنس الاجتماعي.
إن غياب الثقة السياسية والمؤسسية لا يعود فقط إلى بطء الإجراءات القضائية، بل إلى الصراع المفهومي بين دولة القانون الحديثة والممارسات العرفية أو التأويلات الدينية الموروثة التي تُلقي بظلالها على المنظومة التشريعية. ومن هذا المنظور، فإن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على المعالجات الأمنية المؤقتة، بل يتطلب إعادة تنظيم حقيقية للعلاقة بين الفرد والدولة بناءً على مبادئ المواطنة الكاملة والسيادة المطلقة للقانون المدني.
التشريعات الوطنية والتطبيقات العملية: مقارنة تحليليّة
شهدت المنظومة التشريعية الأردنية تطويرات ملحوظة على مدى العقود الماضية؛ حيث صادق الأردن على "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو) عام 1992 (مع التحفظ على بعض المواد مثل المادة 9 و16)، كما ألغى المادة 308 الشهيرة من قانون العقوبات عام 2017، والتي كانت تتيح للمعتدي التملص من العقاب في حال زواجه من الضحية.
ورغم هذه الخطوات الإيجابية، تبرز الثغرات التكتيكية في النص الإجرائي؛ إذ يتيح قانون العقوبات (المادة 98 المتعلقة بعاطفة الغضب، والمادة 99 المتعلقة بتنازل أولياء الدم عن الحق الشخصي) مساحة لتخفيف الأحكام في الجرائم الأسرية. وفي الواقع العملي، تُمارس ضغوط مجتمعية ونفسية هائلة على الأمهات أو ذوي الضحايا للتنازل عن الحق الشخصي، مما يؤدي إجرائياً إلى تخفيف العقوبة على الجاني وتفريغ النص القانوني الرادع من محتواه.
من جانب آخر، أقر الأردن قانون الحماية من العنف الأسري رقم (15) لسنة 2017، وهو تشريع يهدف إلى حماية الأسرة وتعزيز التماسك الأسرية. غير أن الإشكالية تكمن في تقديم مبدأ "المصالحة والتوفيق الأسرية" في بعض الأحيان على مبدأ المساءلة الجنائية الصارمة، مما يعرض الضحايا لخطر داكن تحت مظلة الحفاظ على النسيج الاجتماعي.
التحديث المؤسسي والتجربة التاريخية: منظور مقارن
عند تأمل مقولات التنوير والتحديث في المنطقة العربية، يُستحضر دائماً النموذج التونسي تحت قيادة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي اتخذ خطوة راديكالية عام 1956 بإصدار "مجلة الأحوال الشخصية". ألغت هذه المجلة تعدد الزوجات، وفرضت الطلاق القضائي، وساوت بين الجنسين في مجالات عدة عبر فرض القانون بقوة الدولة ومؤسساتها، دون انتظار توافق مجتمعي كامل قد تعيقه الأفكار التقليدية.
إن الدروس المستفادة من التجربة التونسية تشير إلى أن بناء الدولة الحديثة يقتضي أحياناً إرادة سياسية حازمة لفرض الإصلاحات التشريعية لحماية الحقوق الأساسية. ومع ذلك، فإن التحليل العقلاني للنموذج الفوقي للتحديث يوضح مقيدات القوة المحتومة؛ فالتحديث القانوني المقطوع عن تطوير المؤسسات التعليمية والثقافية قد يولد استقطاباً مجتمعياً يُصعّب عملية الاستقرار على المدى الطويل. لذلك، فإن النموذج الأكثر استدامة يتطلب التوازي بين فرض سيادة القانون وتطوير المنظومة التعليمية الحداثية التي ترسخ قيم العقلانية والتفكير النقدي.
المسار نحو إصلاح بنيوي متكامل
إن حماية المجتمع من تكرار هذه الفواجع تتطلب تحولاً حقيقياً يتجاوز الحلول السطحية، ويمكن تلخيص ذلك في محاور رئيسية:
 * تعديل التشريعات: مراجعة شاملة للمواد القانونية التي تتيح إسقاط الحق الشخصي في جرائم العنف الأسري، وضمان إبعاد الشبهات العرفية عن الجرائم المعنونة بدواعي "الشرف" أو الضغوط الأسرية.
 * استقلالية وكفاءة منظومة الحماية: تفعيل الدور الوقائي لإدارة حماية الأسرة والمؤسسات القضائية، عبر استجابة سريعة للبلاغات المقدمة من قبل النساء والأطفال، وتوفير دور رعاية آمنة ومستقلة.
 * إصلاح القطاع التعليمي: تعزيز المناهج الدراسية بمبادئ حقوق الإنسان، والعلوم الحديثة، والفكر النقدي، وتجريد الإطار التعليمي العام من الرؤى السلفية غير المتوافقة مع متطلبات الدولة الحديثة.
 * الموازنة بين الردع والتأهيل: تطبيق أحكام جنائية رادعة بحق المعتدين، بالتوازي مع تطوير أجهزة تقييم صحة السلامة النفسية للجناة لمنع استشراء النزعات العدوانية السايكوباتية داخل بيئة الأسرة.
إن قضية "أحلام" ليست مجرد حادثة فردية أو اضطراباً سلوكياً لشخص واحد، بل هي مؤشر على خلل صريح في آليات الحماية المجتمعية والمؤسسية. العدالة الناجزة لا تتحقق فقط بمعاقبة المباشرين للقتيل، بل بإنشاء بيئة تشريعية وتنفيذية وثقافية تحول دون تكرار مثل هذه المآسي، وتضع الأردن على مسار واضح نحو بناء دولة القانون والمواطنة الكاملة.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

The Resident Power Paradox: A Critical Analysis of France’s Indo-Pacific Strategy