معضلة القوة الناعمة: كيف ارتدت أيديولوجيا "الدعم التكتيكي" على المشروع القطرّي؟
تتجه أنظار المراقبين للشأن السياسي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط نحو الدوحة، والتي تقترب بخطى متسارعة من استضافة أول نسخة لبطولة كأس العالم لكرة القدم في المنطقة العربية. لم تكن هذه الاستضافة حدثاً رياضياً مجرداً، بل تمثل جوهر الاستراتيجية القطرية في ممارسة "القوة الناعمة" (Soft Power) وتوظيف ما يُعرف بـ "دبلوماسية الرياضة" (Sports Diplomacy) لإعادة تعريف مكانة الدولة على الخريطة الدولية. غير أن الأحداث الأخيرة كشفت عن فجوة هيكلية عميقة في هذا المشروع؛ فجوة ناتجة عن التناقض المعرفي والأيديولوجي بين السعي للانخراط في العولمة بآلياتها الليبرالية، وبين الاستثمار المستمر في الخطاب الأصولي التقليدي.
سياق التصريحات ومأزق الخطاب المزدوج
تجلت هذه الإشكالية في أبهى صورها عندما أطلق اللاعب الدولي السابق والمحلل الرياضي في شبكة "بي إن سبورتس" (beIN Sports)، محمد أبو تريكة، تصريحات هجومية عبر شاشة القناة استهدفت حملات دعم حقوق الأقليات الجنسية في الدوري الإنجليزي الممتاز. لم تكن الأزمة في ذات الرأي الشخصي للمحلل، بل في المنصة الصادرة منها؛ إذ تُعد الشبكة الرياضية المملوكة لقطر إحدى أهم الذرائع التي استخدمتها الدولة لتقديم نفسها كجسر ثقافي وتنويري بين الشرق والغرب.
وضع هذا الخطاب القناة والجهات التابعة لها في مواجهة مباشرة مع القواعد التنظيمية والقيمية للبطولات الأوروبية والعالمية، مما اضطر الشبكة لإصدار بيانات تبرؤ واستنكار لتفادي عقوبات أو خروج من الشراكات التجارية الغربية. يوضح هذا المشهد استراتيجية "التناقض المحسوب" التي اعتمدتها الدوحة لسنوات: الاستثمار في الخطاب الراديكالي كأداة للهيمنة الإعلامية وتجييش الشارع العربي من جهة، ومحاولة استرضاء المؤسسات الدولية بتبني المفاهيم التنويرية من جهة أخرى.
القراءة الاقتصادية والتنموية للمشروع السيادي
إذا ما نُظر إلى الجانب الاقتصادي للمشروع البنيوي القطري، يُلاحظ ضخ استثمارات ضخمة قدرتها التقارير الدولية بنحو 220 مليار دولار على التحتية الشاملة والمشاريع المرتبطة بالبطولة—وليس تريليونات كما تُروج بعض المبالغات الصحفية. ورغم أن هذا الرقم يتجاوز بشكل صارخ تكاليف النسخ السابقة (حيث بلغت تكلفة مونديال روسيا 2018 حوالي 11.6 مليار دولار)، إلا أن الأهمية تكمن في الجدوى التنموية المستدامة.
لقد طرحت بعض الدول المجاورة في مراحل سابقة أفكاراً تتعلق بالتنظيم المشترك للحد من الأعباء المالية ولضمان استغلال الملاعب والمرافق لاحقاً. إلا أن الإرادة السياسية في الدوحة فضّلت الخيار المنفرد لدعم براند الدولة (State Branding) وتأكيد الاستقلالية الجيوسياسية. وهنا تبرز الإشكالية التنموية وفق المنظور الليبرالي اليميني: التنمية الحقيقية يجب أن تخدم كفاءة المؤسسات واستدامة الأسواق بناءً على الجدوى العقلانية، لا أن تُسخّر لمراكمة رأس المال الرمزي لصالح طموحات سياسية ذات أفق محدود قد تنتهي بانتهاء الحدث وتترك أصولاً غير مستغلة بالكامل.
الافتراق الأيديولوجي: النموذج المبتكر مقابل الجمود الذهني
تستدعي المقارنة الحاصلة بين نمطين من الشخصيات العامة في المنطقة العربية—مثل النجم المصري محمد صلاح من جهة ومحمد أبو تريكة من جهة أخرى—تفكيكاً لبنية التفكير لدى كليهما:
* نموذج التكيف والمهنية (محمد صلاح): يمثل الفردية العصرية القائمة على احترام أطر دولة القانون والتنوع الاجتماعي. يتعامل صلاح مع المجتمعات الحديثة وفق مساحة التسامح والممارسة الشخصية، دون فرض الوصاية الأخلاقية أو التحريض ضد الآخرين، وهو السلوك الذي يتسق مع مبادئ الحرية الفردية واحترام التعددية.
* نموذج الوصاية العقائدية (محمد أبو تريكة): يعكس بنية الفكر الأصولي الذي يرفض مفهوم "المواطنة التعددية" ويسعى لإسقاط المعايير الفقهية التقليدية على فضاءات عالمية معولمة. هذا النمط يرى في المظاهر الحديثة تهديداً حتمياً، ويمارس ما يمكن تسميته بـ "الاستعلاء الحضاري السلبي".
البُعد التاريخي والمعرفي: العقلانية والتنوير
إن التذرع بـ "الخصوصية الثقافية" لرعاة الخطاب المتطرف يتجاهل حقيقة تاريخية ساطعة: الازدهار الحضاري للمنطقة العربية والإسلامية في العصور Abassid والأندلسية لم يتحقق بالانغلاق أو التفتيش في ضمائر الأفراد، بل عبر الاحتكاك المباشر مع الحضارات الأخرى (البابلية، الفارسية، واليونانية)، والاعتراف بالتنوع السلوكي والفكري داخل الحواضر الكبرى كبغداد ودمشق والقاهرة.
إن محاولة دخول عصر الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي بأدوات وأيديولوجيات القرون الوسطى تمثل حالة من العداء للتقدم. الآلة اليوم لا تكتفي بجمع البيانات، بل تشارك في التحليل وتفكيك الخطابات الفكرية. لن تصمد النماذج الشمولية والخطابات الوصائية أمام المنهجية التحليلية الحديثة التي تقوم على التجريب، والبيانات الصلبة، والحرية الفردية المكفولة بالقانون.
خلاصة تحليلية
تجد الدوحة نفسها اليوم أمام استحقاق حتمي: إما الانتقال التام نحو المأسسة والعصرنة، وتطبيق المبادئ التنويرية وسيادة القانون على نحو يضمن حرية الاعتقاد والسلوك الفردي بعيداً عن تدخل الدولة أو الخطابات الدينية الراديكالية؛ وإما البقاء في دائرة التناقض التي كبّدت اقتصادها وموقعها الدبلوماسي أثماناً باهظة. إن الدرس الأهم من تجربة العقد الماضي هو أن القوة الناعمة لا تُبنى بدعم النقائض، بل بالتنسيق العقلاني بين الأفكار، والممارسة، والمؤسسات.
تكمن أهمية هذا الفيديو في تغطيته المباشرة لردود الفعل العالمية والسياق الإعلامي والتلفزيوني للتصريحات التي أدلى بها محمد أبو تريكة على شاشة بي إن سبورتس وما تلاها من سجال: Aboutrika's Premier League anti-gay remark divides fans.
Comments
Post a Comment