لعبة الشطرنج في الجنوب السوري: هل تورطت موسكو في الفخ الإسرائيلي؟
يقول روبرت مولر: «في التخطيط للهجوم، تكون للأفراد أدوار متعددة»، بينما يرى الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور أن «الخطط عديمة الجدوى إبان المعركة، لكن التخطيط لا مفر منه». تُشخّص هذه الرؤية قواعد اللعبة الجيوسياسية الراهنة؛ فالسياسة ليست مساحة للنوايا الحسنة أو الشعارات المبدئية، ولا يُكافأ فيها صاحب الحق لمجرد استحقاقه الأخلاقي. إنها شطرنج استراتيجي خالي من حظ «رمية النرد»، حيث تُحسم الحروب في الغرف المغلقة قبل أن تنتقل مشاهدها الأخيرة إلى الميدان. وفي الحالة السورية، تتجلى مقولة إنك «إذا أردت إفساد ثورة، أغرقها بالمال»، إذ قادت التحولات المتسارعة من السلمية إلى العنف المسلح إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي.
تتجه الأنظار اليوم إلى الجنوب السوري والجولان. فبعد قمة هلسنكي بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، واستمرار الجولات الدبلوماسية بين بنيامين نتنياهو وموسكو، زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورئيس أركان الجيش واليري غيراسيموف أورشليم/القدس للتباحث مع القيادة الإسرائيلية. حملت الزيارة رسالة إسرائيلية حازمة: أي تجاوز للخطوط الحمراء الإسرائيلية سيواجه برد صارم ينسف أي تفاهمات شفهية أو مكتوبة.
تكشف القراءة الناقدة لهذه الديناميكية عن مفارقة في التكتيك الروسي الذي اعتمد "الهوادة الناعمة" لمنع القوى الإقليمية من تعطيل مكاسب موسكو المتراكمة منذ تدخلها العسكري أواخر عام 2015. جاء التدخل الروسي لتقويض التمدد الأطلسي، وضمان خطوط الطاقة، وتأمين موطئ قدم استراتيجي على المتوسط عبر قواعدها في طرطوس والحميميم. لكن إدارة هذا التفوق تطلب من موسكو التظاهر بتقديم ضمانات لجميع الأطراف حول «إعادة سوريا إلى وضعها الطبيعي ومحاربة الإرهاب»، بينما تستفيد عملياً من واقع اللاتوازن القائم.
تجلى ذلك في الحادثة الأخيرة الخاصة بأسقاط الطائرة السورية من طراز (Su-22) بصواريخ "باتريوت" إسرائيلية. ورغم أن الرواية الرسمية السورية أفادت بأن الطائرة كانت تستهدف معاقل لتنظيم "داعش" في حوض اليرموك ولم تستهدف العمق الإسرائيلي—وهو ما ألمح إليه التنظيم عبر تبنيه تفجيرات القنيطرة في اليوم نفسه—إلا أن تل أبيب رفضت التغاضي عن أي خرق للمجال الجوي أو قواعد الاشتباك. يُظهر هذا الموقف أن خطوط التماس في الجولان غير خاضعة للمناورة، حتى لو كانت العمليات السورية تصب نظرياً في إطار "مكافحة الإرهاب".
الإيجابيات والسلبيات في الحسابات الروسية:
* المكاسب الحالية لموسكو: نجحت روسيا في ترسيخ دورها كـ "ضامن رئيسي" للترتيبات الأمنية في الجنوب، مستفيدة من التوافق الضمني مع إسرائيل وواشنطن على تقليص التواجد الإيراني قرب الشريط الحدودي.
* الثغرة الاستراتيجية: العرض الروسي بإبعاد القوات الإيرانية وميليشياتها مسافة 100 كيلومتر عن حدود الجولان قوبل برفض إسرائيلي حاسم. تطالب تل أبيب بالإخراج الكامل للوجود العسكري الإيراني، وسحب الصواريخ بعيدة المدى، وإغلاق مصانع الصواريخ الدقيقة، وتطويق سلاح "حزب الله". هذا التباين يضع موسكو أمام خيارين أحلاهما مر: إما المواجهة مع طهران، أو خسارة هامش التنسيق الأمني مع إسرائيل (Safety Mechanism).
على الجانب الآخر، تتزايد تعقيدات المشهد مع استمرار سيطرة أنقرة على عفرين وتطلعها للتمدد في منبج والمناطق الحدودية. هذا التثبيت للنفوذ التركي شمالاً، بالتوازي مع الشروط الإسرائيلية جنوباً، يجعل من فكرة "استقرار سوريا السريع" لتمهيد عودة اللاجئين وجذب الاستثمار أمراً بعيد المنال.
تعتمد روسيا مرونة تكتيكية عالية لتحقيق استراتيجيتها في سوريا. غير أن هذه المرونة قد تتحول إلى عبء إذا استمرت إسرائيل في فرض معادلاتها بالقوة الصلبة، مما يضع موسكو أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع استثمار ورقة النفوذ الإيراني دون أن تدفع ثمن صدام مباشر مع التكنولوجيا العسكرية الغربية والإسرائيلية؟
Comments
Post a Comment