إشكالية العقد الاجتماعي الأردني: هل المجتمع مستعد للإصلاح الهيكلي؟

تشهد الساحة السياسية الأردنية محاولة جديدة لإعادة رسم ملامح "الدولة المدنية"، وذلك عقب التكليف الحكومي للدكتور عمر الرزاز. وتتجه الأنظار نحو طرح النقاش حول الورقات النقاشية الملكية كإطار مرجعي لإعادة صياغة العقد الاجتماعي. غير أن الطرح المباشر لخبراء الاقتصاد السياسي والإصلاح الإداري يتطلب الابتعاد عن السطحية والإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: هل البنية الفوقية والمجتمعية جاهزة بالفعل للتحول نحو الحداثة السياسية، أم أننا نعيش حالة من التبسيط والغالبيات الشكلية التي تُختزل في آليات صندوق الاقتراع؟
يقودنا هذا التساؤل إلى الأطروحة المعرفية التي صاغها المفكر جورج طرابيشي، عندما أكد أن "كل حديث عن الإصلاح السياسي مع الإبقاء على المنظومة المعرفية القديمة والمفاهيم التقليدية إنما هو نقش على ماء". فالمشكلة الأساسية لا تكمن في غياب النصوص التشريعية أو الرغبة الحكومية، بل في التناقض القائم بين متطلبات الدولة الحديثة والمنظومات القيمية الموروثة التي تحكم السلوك اليومي والسياسي للشارع.
المقاربة الثلاثية للإصلاح: العمل، الإرادة العامة، والمسؤولية الفردية
إذا ما جرى تفكيك مفهوم الإصلاح منهجياً، يمكن بلورته ضمن أبعاد ثلاثة تتفاعل ديناميكياً لتشكل المخرجات السياسية:
 * البعد المادي والإجرائي (العمل): يُشكل هذا البعد رأس الهرم في التطبيق الإداري، ويتمثل في خطوات ملموسة كتقليص الإنفاق الحكومي وضبط الرواتب العليا للوزراء والمسؤولين. على الرغم من أثره الرمزي والإيجابي في بناء الثقة، يظل هذا البعد قاصراً ومجرد معالجة سطحية ما لم يستند إلى رؤية كليّة.
 * البعد المؤسسي (النية العامة/الإرادة السياسية): وهو الإرادة السياسية الناجزة للدولة ومؤسساتها نحو تحول بنيوي حقيقي. تتجلى هذه الإرادة في تبني الخطاب التحديثي وترجمته إلى سياقات قانونية وهيكلية مستدامة تت جاوز التكليفات الوزارية المؤقتة.
 * البعد السلوكي (النية الخاصة): وهو النتاج المباشر للإرادة العامة، ويتمثل في الوعي الجمعي لأفراد المجتمع والمسؤولين على حد سواء. فالالتزام بالقانون والشفافية وتجاوز الهويات الضيقة يمثل الحصن الحقيقي لأي مشروع إصلاحي.
تناقضات الشارع الأردني بين طموح الحداثة ومقاومة التغيير
تُظهر الخطوات التي يُبديها الدكتور الرزاز متسقة – نظرياً – مع توصيات ضبط المالية العامة والتوجه نحو نموذج الحوكمة الرشيدة المقترح في الورقات النقاشية. غير أن القراءة التحليلية العميقة للواقع المجتمعي تكشف عن تحديات بنيوية تعرقل هذا التوجه:
 * العصبية والمحلية السياسية: يُطالب الشارع بالعدالة وتكافؤ الفرص، لكنه يُمارس ضغوطاً فئوية وعشائرية للحصول على مكتسبات ومزايا خارج أطر الكفاءة، مما يُعطل تحول الإدارة إلى العمل المؤسسي الحديث.
 * الاختزالية الديمقراطية: تتكرر الأزمة عند تعاطي المجتمع مع العمل الحزبي والبرلماني، إذ يتم اختزال العملية الديمقراطية في شقها الإجرائي (الانتخابات) دون تبني ثقافة المساءلة، والنقد الذاتي، والشفافية التنافسية.
 * الهويات الأيديولوجية والعقائدية المغلقة: تُشكل الأيديولوجيات الصلبة حائلاً دون قبول الآخر والتكامل معه، حيث تسود حالة من الصراع البيني بدلاً من الشراكة القائمة على التنوع والتكامل داخل الدولة الواحدة.
العقل النقدي كشرط شارح للديمقراطية
يتطلب التأسيس لدولة مدنية حقيقية إنتاج وعي نقداني يرفض النماذج المسبقة والصور النمطية. وكما أشارت الطروحات الفكرية لطرابيشي، فإن الديمقراطية لا تتلخص في كونها أداة تقنية للوصول إلى السلطة، بل هي نسق فكري يُمارَس أولاً في الفضاء الثقافي والاجتماعي والديني. إن السعي لفرز برلمانات متعاقبة دون إعادة صياغة معايير الاختيار القائمة على الوعي والكفاءة هو تكرار للأزمات نفسها بصور مختلفة.
قد يكون تعشيق المسار الانتخابي مؤقتاً لتطوير الثقافة السياسية وتأهيل القواعد الشعبية عبر مراكز الفكر والمنصات الحوارية أكثر فاعلية من الدخول في دورات انتخابية تُعيد إنتاج النهج التقليدي ذاته. فالتحول نحو الحداثة يتطلب استنطاق التراث عبر أسئلة عصرية جديدة، والتحرر من نزعة الأحكام الجاهزة لصالح الفهم والمعرفة والتفكيك الموضوعي.
المسار المستقبلي
يبقى الجهل باليات التحول ورفض مراجعة الذات التحدي الأبرز أمام المستقبل السياسي. إن نجاح النموذج الأردني في بناء عقد اجتماعي متجدد يتوقف على مدى قدرة الفرد والمؤسسات على الاستغناء عن الامتيازات التقليدية لصالح مواطنة كاملة ومتساوية. ودون ثورة فكرية نقدية تعيد هيكلة الوعي الجمعي، ستظل كل المبادرات الحكومية والإصلاحات التشريعية مجرد محاولات جزئية تقف عند حدود الصياغ النظرية.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban