من غاز المتوسط إلى قمم القوقاز: تفكيك الحسابات الجيوسياسية في صراع ناغورنو كاراباخ
يشكّل الانفجار العسكري المباشر بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورنو كاراباخ نقطة تحول محورية في هندسة الصراعات الإقليمية الممتدة على تخوم الشرق الأوسط والقوقاز. وعلى الرغم من أن هذا الصراع يُصنّف تاريخياً كأحد "الصراعات المجمدة" المترتبة على تفكك الاتحاد السوفيتي، إلا أن سياقه الراهن يتجاوز بمراحل أبعاده المحلية المباشرة، ليعكس تقاطعات جيو-اقتصادية وعسكرية معقدة تشمل الطاقة، والنفوذ الإقليمي، وإعادة رسم خطوط المواجهة بين القوى الفاعلة.
الجذور التاريخية والديناميات الجيوسياسية:
تاريخياً، يعود جذور هذا النزاع العرقي والإقليمي إلى سياسات ترسيم الحدود الإدارية في الحقبة السوفيتية المبكرة تحت حكم جوزيف ستالين؛ حيث أُلحق الإقليم - ذو الأغلبية السكانية الأرمنية - بإدارياً بجمهورية أذربيجان السوفيتية. ومع تداعي قبضة المسكوبية ومؤشرات انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1988، اندلعت المواجهات التي تحولت إلى حرب شاملة انتهت عام 1994 بوقف إطلاق نار هشّ، خضعت بموجبه المنطقة المذكورة وسبع مقاطعات أذربيجانية محيطة بها لسيطرة القوات الأرمنية.
من منظور القانون الدولي والمقررات الأممية (وخاصة قرارات مجلس الأمن 822، 853، 874، و884)، تُعتبر هذه الأراضي جزءاً لا يتجزأ من سيادة جمهورية أذربيجان، وهو ما يمنح باكو السند القانوني الشكلي لإعادة بسط سيادتها. غير أن التعقيد يكمن في مبدأ حماية المكونات العرقية وحق تقرير المصير الذي تتمسك به باكو ويرفضه الطرف الآخر، مما أدى إلى جمود دائم في مسار "مجموعة مينسك" التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
على صعيد التفاعلات الإقليمية، تتبدى مفارقة جيوسياسية بالغة الأهمية:
* الموقف الإيراني: ورغم الجذور الشيعية المشتركة مع باكو، تعتمد طهران مقاربة براغماتية حذرة تميل عملياً لدعم أرمينيا. يتأسس هذا الموقف على هواجس هيكلية تتعلق بالمكون الأذري الواسع في شمال إيران، والخشية من تصاعد النزعة القومية "التركية العابرة" (Pan-Turkism)، إضافة إلى العلاقات الأمنية والعسكرية الهادئة والمتنامية بين أذربيجان وإسرائيل.
* البعد الإسرائيلي: تشكل أذربيجان شريكاً استراتيجياً لإسرائيل، حيث تعتمد الأخيرة عليها في استيراد نحو 40% من احتياجاتها النفطية، مقابل تزويد باكو بأنظمة تسليح متطورة شاملة الطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية.
الحسابات التركية: الاستراتيجية الوظيفية وسياق الشرق الأوسط
إن الانخراط التركي المباشر والمتزايد في هذا الملف لا يمكن فصله عن اندفاعة أنقرة الإقليمية من شرق المتوسط إلى ليبيا. يسعى النظام التركي إلى تحقيق مكاسب استراتيجية مركبة:
* تفريغ الأزمات الداخلية: تجيير الخطاب القومي والديني لتجميع الجبهة الداخلية المتصدعة في ظل التراجع الاقتصادي وتراجع قيمة العملة الوطنية.
* التموضع كفاعل القوقاز المحوري: فرَضَ الواقع التسليحي واللوجستي الدعم التركي اللامحدود لباكو، بدءاً من نقل التكنولوجيا العسكرية (مثل طائرات "بيرقدارTB2")، وصولاً إلى استجلاب وتجنيد عناصر من الفصائل السورية المسلحة التابعة لـ"الجيش الوطني السوري" (ومنها تشكيلات "فرقة السلطان مراد") لاستخدامهم مرتزقة ميدانيين، وهو ما أكدته تقارير استخباراتية دولية ومجموعات رصد متخصصة.
تطمح أنقرة من خلال هذا التمدد إلى الضغط على الشراكات الجيو-اقتصادية لمشاريع الطاقة في شرق المتوسط، ورسم معادلات مقاصة مع روسيا في ملفات إدلب وليبيا، وتأمين خطوط أنابيب نقل النفط والغاز الأذري نحو الأسواق الأوروبية بعيداً عن التحكم الروسي المباشر.
المأزق الروسي والخيارات المتاحة
تجد موسكو نفسها أمام اختبار استراتيجي حرج؛ إذ يربطها بأرمينيا معاهدة دفاع مشترك عبر "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" (CSTO)، وتحتفظ بbase عسكرية في "غومري". وفي الوقت ذاته، لا ترغب الكرملين في تدمير علاقاتها الاقتصادية والأمنية الدقيقة مع أذربيجان، أو الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع تركيا في نطاقها الحيوي الجنوبي.
تتلخص خيارات الاستجابة الروسية-الأرمنية في مسارين أساسيين:
* المسار الأول: التدخل العسكري المباشر لموسكو.
يظل هذا الخيار مستبعداً في المدى القريب من منظور التفكير الاستراتيجي البرغماتي للكرملين. يعلم صُنّاع القرار في موسكو أن التدخل المباشر يسهم في استعادة التماسك الداخلي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يسعى التكتيك الروسي لتجنبه عبر استغلال التباينات الراهنة داخل الحلف، خصوصاً مع حدة الخلافات الفرنسية-التركية والأمريكية-التركية.
* المسار الثاني: فرض الهدنة ودفع خيار الإدارة السياسية للإقليم.
يقوم هذا الخيار على ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة لإيقاف المواجهات، وإجبار الأطراف على الدخول في مفاوضات تثبيت واقع جديد، قد يتضمن فرض ترتيبات ذات طابع استقلالي أو حماية دولية للإقليم، على غرار سيناريوهات النزاعات الدولية المعقدة. يهدف هذا التوجه إلى تحييد المكاسب الميدانية للتحالف الأذري-التركي، والحد من محاولات إطالة أمد الصراع التي تخدم أهداف أنقرة السياسية.
التقييم النقدي والمسار المستقبلي
بالنظر إلى المحركات البنيوية للأزمة، يتضح أن المراهنة على تحقيق حسم عسكري سريع هي مراهنة خطرة قد تسفر عن حرب استنزاف إقليمية واسعة. إن توظيف الهويات الدينية والعرقية والاستعانة بالفاعلين من غير الدول (الميليشيات) يعكس نهجاً مغامراً يهدد البنية الأمنية للقوقاز الجنوبي بأكملها.
تبقى الاستجابة الدولية، وتحديداً قدرة روسيا والقوى الغربية على صياغة موقف موحد وممارسة ضغوط حقيقية لوقف التدخلات الخارجية، هي القاطرة الأساسية لمنع تحول ناغورنو كاراباخ إلى ساحة صراع وكالة دائم، يخدم الأجندات التوسعية على حساب الاستقرار الجيو-اقتصادي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها السلمي.
Comments
Post a Comment