المحاور الذي كسب الرهان ...

هندسة الاستقطاب: قراءة في المأزق المؤسسي والمناظرة الرئاسية الأولى
تمرّ البيئة السياسية الأمريكية بظرف دقيق يُجسّد حالة عميقة من الاستقطاب الحزبي، والفرز العرقي، والتباين الأيديولوجي الحاد. وتتجلى أزمة المشهد الراهن في الفراغ القيادي داخل الكابيتول؛ إذ يُبرز الغياب الراهن لرجالات الدولة من طراز كارل ألبرت، وريتشارد لوغار، وتيب أونيل، وإدوارد كينيدي، تراجعَ القدرة المؤسسية على بناء التسويات العابرة للأحزاب وإدارة الأزمات الكبرى بأسلوب يتسامى عن المكتسبات الانتخابية الضيقة.
تتقاطع هذه الهشاشة الهيكلية مع استراتيجية السياسات الصفرية، حيث يبدو الأداء الديمقراطي أحياناً متساهلاً تجاه أعمال الشغب والتخريب الميداني بدافع النكاية السياسية بالرئيس دونالد ترامب. إلا أن هذا التكتيك يحمل في طياته نتائج عكسية؛ إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن الشارع الأمريكي—بمن فيه الناخبون المستقلون وقطاع من القواعد الديمقراطية التقليدية—يولي أولوية قصوى لمفهوم "القانون والنظام". وبالتالي، فإن استبدال الطرح البرامجي الشامل بشعار "أي شخص باستثناء ترامب" يخدم، من حيث لا يقصد الخصوم، الوعاء الانتخابي للمرشح الجمهوري.
وفيما يتصل بالحقائق التاريخية لتلك المرحلة، تجدر الإشارة إلى تعقيد الموقف الميداني: فبينما اتسم خطاب ترامب بالتركيز على حركة "أنتيفا" ككيان رئيسي خلف الاضطرابات، تؤكد تقييمات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وتقارير وزارة الأمن الداخلي أن "أنتيفا" تمثل شبكة غير مركزية ومفهوماً أيديولوجياً أكثر من كونها تنظيماً هرمياً، إلى جانب وجود تحركات من جماعات يمين راديكالية مثل "المسلحين المحليين" (Domestic Militias). ومن جهة أخرى، سجّلت الإحصاءات الرسمية لإدارات إدارة الوقت في المناظرة الأولى توازناً متقارباً، حيث تحدث ترامب لنحو 38.6 دقيقة مقابل 37.9 دقيقة لجو بايدن، خلافاً للطبائع الانطباعية التي سادت العرض.
على الصعيد الاستراتيجي، عكس الأداء الشكلي والمضموني للمناظرة ديناميكيات التعبئة لدى الطرفين:
 * دونالد ترامب (الاستراتيجية اليمينية العمودية): ركّز على تحفيز القاعدة المحافظة وإثارة الحماس لدى التيارات الشعبوية، مستخدماً أسلوب المقاطعة الهجومي لفرض الأجندة، وتجنب اتخاذ مواقف قد تزعج قواعده الصلبة، بما في ذلك الامتناع عن الإدانة الصريحة لبعض الجماعات اليمينية المتطرفة أو قطع التعهدات المطلقة بتبني النتائج الانتخابية.
 * جوزيف بايدن (الاستراتيجية الوسطية الأفقية): سعى لتوسيع قاعدته نحو الوسط والجمهوريين المتشككين، متجاوزاً المطالب الراديكالية لليسار الديمقراطي؛ حيث أدان العنف الميداني بوضوح، ورفض الدعوات الداعية لسحب تمويل الشرطة، وشدد على الالتزام بالقواعد الدستورية ونقل السلطة السلمي.
تُظهر المنهجية التحليلية لهذه المعركة الانتخابية أن المناظرة لم تحدث تحولاً جذرياً في قناعات الكتلة الناخبة الحسمية في الولايات المتأرجحة مثل بينسلفانيا، وفلوريدا، وأوهايو، وميتشغن. لقد اختار ترامب تثبيت وتعميق قاعدته اليمينية، بينما راهن بايدن على استقطاب الوسط معتمداً على انضباط قواعده اليسارية. وبين الأداء الشعبوي الهجومي والخطاب المؤسسي المتزن، تبدو الأزمة الحقيقية غير محصورة في نتائج صندوق الاقتراع فحسب، بل في تعمق التآكل في تقاليد الحوار السياسي وآليات الحوكمة الرشيدة التي شكلت عماد التجربة الديمقراطية الأمريكية.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban