شعلة الفوضى تحت مظلة المظلومية: تفكيك الجذور التاريخية والآليات التشغيلية لحركة "أنتيفا"
في منتصف نوفمبر من عام 2020، وبينما كانت الولايات المتحدة تعيش على وقع استقطاب سياسي غير مسبوق في أعقاب الانتخابات الرئاسية، برز سجال فكري وسياسي حاد حول ماهية حركة "أنتيفا" (Antifa). تمثّل هذا الجدل في تباين صارخ بين تصريح الرئيس دونالد ترمب الذي وصفها بـ "المنظمة الإرهابية الراديكالية اليسارية"، وبين توصيف الرئيس المنتخب جوزيف بايدن لها بأنها "مجرد فكرة وليست منظمة". بيد أن هذا التبسيط الأخير يتجاهل واقعاً سينمائياً وتاريخياً معقداً؛ فالأفكار عندما تتجسد في هياكل حركية تكتسب قدرة على التدمير، وبعض الأفكار مجرد استحضارها مجدداً يحمل بذور الفوضى والصدام.
إن قراءة ظاهرة "أنتيفا" من منظور تحليل الخطاب والأنثروبولوجيا السياسية تتطلب تفكيك السرديات التاريخية والتكتيكية التي شكلت هذا الكيان الفضفاض، بدءاً من أزقة ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي وصولاً إلى الشوارع الأمريكية اليوم.
النفاذ إلى الجذور: من ألمانيا فايمار إلى "الكتلة السوداء"
يعود الاسم المختصر (Antifa) إلى المنظمة الأصلية (Antifaschistische Aktion)، التي تأسست عام 1932 على يد الحزب الشيوعي الألماني (KPD)—وهو حزب كان يدين بالولاء المباشر لموسكو وللنهج الستاليني. على الرغم من أن الحزب أطّر الحركة كجبهة لمواجهة الصعود المتسامي للحزب النازي (NSDAP) وشبيبة الهتلرية، إلا أن الهدف العملياتي الضمني كان فرض السيطرة على الشارع وتسريع انهيار جمهورية فايمار للتمهيد لثورة اشتراكية. ولعل النقطة المفصلية التي يغفلها الكثيرون هي أن الحركة في تلك الفترة لم تستهدف النازيين فحسب، بل وجهت عنفها ومواجهاتها السياسية ضد الأحزاب الليبرالية، والمحافظين، وحزب الشعب، وحتى الاجتماعيين الديمقراطيين الذين وصفهم الشيوعيون حينها بـ " الفاشيين الاجتماعيين" (Social-Fascists).
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية واختفاء النموذج الأول، أعادت الحركة إنتاج نفسها في ألمانيا الغربية خلال ثمانينيات القرن الماضي من رحم تيار "الحكم الذاتي" (Autonome). كان هذا التيار خليطاً أيديولوجياً يستند إلى الماركسية اللامركزية والأناركية المناهضة للرأسمالية والدولة، متأثراً بالبنية التنظيمية للجماعات المسلحة مثل "فصيل الجيش الأحمر" (RAF) في ألمانيا و"الألوية الحمراء" في إيطاليا. وفي هذه المرحلة تحديداً، تبلور التكتيك الشهير المعروف بـ "الكتلة السوداء" (Black Bloc)، وهو أسلوب تكتيكي يرتدي فيه المتظاهرون ملابس وأقنعة سوداء موحدة للتمويه الاجتماعي، والتحرك ككتلة واحدة مجهولة الهوية لخلق حالة من الردع البصري وتصعيب عمل أجهزة إنفاذ القانون.
الانزياح إلى النموذج الأمريكي: الامتداد الأيديولوجي للجيل الأول
انتقلت الحركة إلى الولايات المتحدة عبر مسار مختلف أيديولوجياً وتنظيمياً. ففي أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، نشأت شبكة "العمل المناهض للعنصرية" (Anti-Racist Action - ARA) في أقاليم الغرب الأوسط ولاحقاً في ولايات الساحل الغربي مثل أوريغون وواشنطن، تحت ذريعة طرد المجموعات العنصرية والنازيين الجدد من المشهد الموسيقي والثقافي المحلي.
لكن المتابعة الدقيقة للأنساب التنظيمية تكشف أن تأسيس ARA والتفرعات اللاحقة مثل شبكة "Torch Antifa" لم يكن مجرد رد فعل شبابي تلقائي؛ بل جرى بتأطير وتوجيه من كوادر سابقة ينتمون لخلفيات راديكالية مسلحة من حقبة الستينيات والسبعينيات. تمثل ذلك في نشطاء ينتمون لـ "لجنة جون براون للتحكيم" (John Brown Anti-Klan Committee)، والتي كانت بدورها واجهة تنظيمية لـ "منظمة 19 مايو الشيوعية" (M19CO). وتكمن أهمية "منظمة 19 مايو" في أنها تشكلت من بقايا تنظيم "Weather Underground" وجيش تحرير السود (BLA).
شهدت هذه الحقبة تحولاً مفصلياً؛ حيث ركزت M19CO على مفهوم "نضال تحرير السود" والمواجهة المباشرة مع مؤسسات الدولة، واعتبرت عمليات السطو المسلح والتفجيرات مجرد "مصادرات ثورية". كما استخدمت الأدبيات الحركية لاتهام الإدارات المحافظة—مثل إدارة الرئيس رونالد ريغان—بتكريس تفوق العنصر الأبيض، داعية إلى صياغة مقولة مفادها أن الولايات المتحدة بحد ذاتها كائن سياسي غير مشروع يجب تفكيكه.
الهيكلية الحديثة: مجموعات التقارب وتكتيك "الاحتشاد"
تستند "أنتيفا" اليوم إلى هيكلية تنشيطية شديدة المرونة، تدحض الفكرة القائلة بأن عدم وجود قيادة مركزية يعني غياب التنظيم. تعتمد الحركة على ما يُعرف بـ "مجموعات التقارب" (Affinity Groups)؛ وهي خضرة تنظيمية تعود جذورها للنظرية الأناركية، وتتكون من مجموعات صغيرة موثوقة ومستقلة تشترك في أهداف تكتيكية محددة.
يسمح هذا التشكيل بتطبيق استراتيجية "الاحتشاد" (Swarming)، وهو تكتيك شبكي تناوله معهد "راند" (RAND Corporation) في دراساته حول حرب العصابات الحضرية، حيث تتدفق عدة مجموعات صغيرة وغير متوقعة نحو هدف واحد في وقت واحد لتشتيت القوات الأمنية والمؤسسات المركزية، ثم تتبدد بسرعة قبل اتخاذ إجراءات مضادة.
وتتلقى هذه المجموعات دعماً لوجستياً وثقافياً عبر مظلات سياسية يسارية متعددة، مثل "الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" (DSA)، وجمعية "عمال العالم الصناعيين" (IWW)، وحزب العمال الثوري، بالإضافة إلى منصات نشر راديكالية مثل (CrimethInc). يوفر هذا الغطاء الشبكي موارد البشر والتعبئة، بينما تضمن الهيكلية اللاهرمية للحركة تجنب الملاحقات القضائية والاستخباراتية التي أطاحت بالتنظيمات الهرمية القديمة مثل Weather Underground.
التحليل النقدي: الإيجابيات المفترضة والمخاطر البنيوية
عند تقييم ظاهرة "أنتيفا" من منظور ليبرالي علمي حذر، يمكن رسم خريطة نقدية توازن بين المظاهر السطحية والنتائج البنيوية:
* من منظور المدافعين عن الحركة (النقاط التي تُحسب لها في الخطاب العام):
* التصدي للجماعات المتطرفة: تُقدم الحركة نفسها كخط دفاع أول يملأ الفراغ في مواجهة صعود جماعات تفوق العنصر الأبيض والفاشيين الجدد عند ضعف استجابة السلطات المحلية.
* التعبئة المجتمعية السريعة: تمتلك القدرة على حشد الجماهير وتوفير آليات تضامن ميداني في الاحتجاجات العامة بسرعة فائقة.
* من منظور التحليل المؤسسي والليبرالي (المخاطر والسلبيات البنيوية):
* تقويض دولة القانون وحصرية العنف: إن مبدأ "العمل المباشر" الذي تتبناه الحركة يتجاوز مؤسسات العدالة والقانون، ويعطي لنفسه الحق في القضاء والشرطة والمحاكمة، وهو ما يضرب جذر الدولة الحديثة القائم على حصرية احتكار العنف الشرعي.
* تأطير الخطاب وقمع حرية التعبير: تلجأ الحركة لتعريف الفاشية بشكل موسع وشديد المرونة يشمل حتى التيارات الليبرالية والمحافظة الوسطية، مما يؤدي إلى ممارسات قمعية ضد حرية التفكير والخطاب العام تحت ذريعة مكافحة الفاشية.
* التوظيف السياسي وتفتيت المجتمع: إن الاعتماد على ثنائيات أيديولوجية مطلقة يغذي الاستقطاب الاجتماعي الحاد، ويخدم الراديكاليين من الطرفين (اليمين واليسار) على حساب استقرار المؤسسات الديمقراطية.
النتيجة والمآلات
إن اختزال "أنتيفا" في مجرد "فكرة" مجردة هو قراءة قاصرة للواقع العملياتي؛ فالأفكار ذات التاريخ الحركي الممتد تتحول إلى أدوات فعل في الشارع متى ما وجدت البيئة السياسية المأزومة. وفي المقابل، فإن التعامل معها كمنظمة إرهابية تقليدية ذات قيادة ومقرات ينم عن فهم قاصر لطبيعة التنظيمات الشبكية الحديثة.
تمثل "أنتيفا" اليوم النسخة المحدثة والأكثر مرونة لليسار الراديكالي؛ فهي تستفيد من التعاطف الإعلامي والغطاء الثقافي في بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية، وتستغل أدوات المظلومية السياسية للسيطرة على فرض إرادتها في الشارع. إن خطورة هذه الحركة لا تكمن فقط في العنف الميداني المباشر، بل في قدرتها على تجريف قواعد الحوار المدني القائم على سيادة القانون، والحرية الفردية، والمؤسسات الديمقراطية المستقرة.
Comments
Post a Comment