فخ "العلاقات السلسة": لماذا يجب على إدارة بايدن تبني واقعية صلبة تجاه الصين؟

تكتسب مرحلة الانتقال الرئاسي في واشنطن أهمية جيواستراتيجية بالغة، لا سيما في ظل إعادة تقييم العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. يُشكل هذا الملف المعقد اختباراً رئيسياً لمهندسي السياسة الخارجية في إدارة جو بايدن المتوقعة، وسط تساؤلات حيوية حول كيفية تعامل واشنطن مع الطموحات الصينية الساعية لإعادة صياغة النظام الدولي.
بين الواقعية البنيوية وأوهام الاستقرار السلس
تُظهر النظريات الواقعية في العلاقات الدولية أن صعود قوة مراجعة للنظام القائم (Revisionist Power) مثل الصين يعيد رسم توازن القوى العالمي بغض النظر عن هوية الساكن في البيت الأبيض. تحاول بكين استغلال المرحلة الانتقالية لتقديم صيغة "تصفر" التوترات الناجمة عن نهج إدارة دونالد ترامب. يعتمد المقترح الصيني على عزل ملفات الخلاف الجوهرية — كالتجسس الصناعي، والدعم الحكومي غير المشروع، وانتهاكات حقوق الإنسان، والأمن السيبيراني — مقابل تقديم تعاون ظاهري في ملفات عالمية مثل التغير المناخي والقضايا الصحية.
هذه المقاربة الصينية تعكس استراتيجية استدراج تفاوضي؛ إذ تهدف إلى دفن الملفات الحرجة تحت مظلة "المصالح المشتركة"، مما يفرض على واشنطن ثامناً استراتيجياً يُعرف بلعبة مجموعها صفر (Zero-Sum Game). إن الرغبة في بناء علاقات قائمة على الهدوء الظاهري قد تُترجم عمليةً كنوع من الخنوع الاستراتيجي، إذا ما جرى التضحية بالمكتسبات الأمنية والسيادية لأمريكا وحلفائها في المنطقة.
تقييم النهج السابق: مكاسب الهيكلة وتناقضات الأداء
اتسمت استراتيجية ترامب بتحطيم الثوابت التقليدية التي حكمت العلاقات الأمريكية-الصينية لثلاثة عقود. يُحسب لتلك المرحلة إخراج السياسة الأمريكية من حالة "التمني الاستراتيجي" (Strategic Wishful Thinking) إلى الواقعية الصلبة، حيث أعادت تعريف الصين بوصفها منافساً استراتيجياً شاملاً.
ومع ذلك، عانت تلك الاستراتيجية من ثغرات هيكلية:
 * التعددية المفقودة: اتسم العمل الأحادي بإضعاف الجبهة الموحدة مع الحلفاء التقليديين في أوروبا وآسيا.
 * الخلط التفاوضي: تم التركيز على ميزان التبادل التجاري على حساب بناء تحالفات تكنولوجية وأمنية صلبة.
في المقابل، تتضمن تصريحات بعض مسؤولي الإدارة الجديدة تناقضات منهجية. في حين يُصنف جو بايدن روسيا كمصدر للتهديد المباشر للأمن القومي، تظهر كامالا هاريس إدراكاً أعمق لطبيعة التحدي الهيكلي الذي تشكله الصين على النفوذ المؤسسي الأمريكي في المنظمات الدولية.
درس النموذج الأسترالي: حدود الابتزاز الاقتصادي
يُقدم السلوك الصيني تجاه أستراليا نموذجاً تطبيقياً لاختبار حدود النفوذ الاستراتيجي. أرسلت بكين قائمة مطالب إلى كانبيرا اشترطت فيها إلغاء العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على الصادرات الأسترالية مقابل صمت الأخيرة عن قضايا حيوية:
 * انتهاكات حقوق الإنسان في إقليم سينجيانغ (الأويغور) وتطورات هونغ كونغ وتايوان.
 * فحص نشاط النفوذ والاستثمار الصيني داخل المؤسسات الأسترالية.
 * المطالبة بالتحقيق في أصول جائحة كوفيد-19.
هذا التكتيك، الذي يُعرف بـ "الدبلوماسية القسرية" (Coercive Diplomacy)، يوضح بشكل جلي أن السعي الصيني لـ "علاقات سلسة" لا يعني تقديم تنازلات متبادلة، بل يفرض على الطرف الآخر القبول بقواعد اللعبة وفق الشروط الصينية. أي تراخٍ أمريكي تجاه هذا النموذج سيبعث بشرارات إحباط لشركاء واشنطن في إقليم الهادئ والهندي.
مراجعة إرث أوباما: دروس من ملف المناخ والتنافس الاستراتيجي
تكشف قراءة أداء مستشارة الأمن القومي السابقة سوزان رايس خلال إدارة أوباما عن مخاطر تقديم التعاون المناخي كأولوية تتقدم على التنافس الجيوسياسي. كانت المحاولات السابقة لضبط المصطلحات الأمنية — مثل تجنب استخدام كلمة "منافس" — تُفسر في بكين على أنها ضعف تكتيكي يمكن استغلاله لتثبيت الأمر الواقع في بحر الصين الجنوبي وتكثيف الضغوط على تايوان.
وكما أشار كورت كامبل، المعني بالشؤون الآسيوية، فإن استجابة بكين لملف المناخ لا تُعد "منحة" للولايات المتحدة، بل هي ناتجة عن حسابات مصلحية ذاتية ترتبط بالأمن الغذائي والمائي والمناخي للصين نفسها. بناءً عليه، يتوجب على الإدارة الجديدة عدم المقايضة في ملفات أمنية واستراتيجية مقابل تعاون صيني هو بالأساس مجرد مصلحة وطنية لبكين.
الرؤية المستقبلية: إدارة عدم الاستقرار وتفعيل التحالفات
لا تعني إدارة العلاقات الأمريكية-الصينية البحث عن الاستقرار بأي ثمن، بل التكيف مع واقع أن "عدم الاستقرار المؤسسي" سيكون جزءاً لا يتجزأ من بيئة التنافس الدولي مستقبلاً.
تقتضي الحصافة الاستراتيجية تفعيل نهج ردعي متعدد الأطراف يتضمن:
 * ترسيخ مبدأ "المنافسة المسؤولة": إيجاد آليات لمنع التصادم المباشر دون التنازل عن ردع السلوكيات الصينية التوسعية.
 * إعادة بناء التحالفات الإقليمية: إرسال رسائل تطمين واضحة لحلفاء واشنطن (أستراليا، اليابان، الهند، وسنغافورة) تؤكد أن الولايات المتحدة لن تساوم على أمنهم الإقليمي مقابل اتفاقيات سطجية مع بكين.
 * حماية السيادة التكنولوجية: تعزيز سلاسل الإمداد للسلع التكنولوجية الحساسة وإبعاد شبكات التجسس السيبيراني الصينية عن البنية التحتية الغربية.
يتوقف نجاح إدارة بايدن المرتقبة على مدى قدرتها على تحقيق توازن دقيق: الاستفادة من عناصر القوة الصلبة والمرنة لردع التمدد الصيني، مع تجنب الوقوع في فخ الوعود البرّاقة لـ "العلاقات السلسة" التي لا تعدو كونها غلافاً لترسيخ الهيمنة الصينية.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

The Resident Power Paradox: A Critical Analysis of France’s Indo-Pacific Strategy