عن ماذا يبحث الدب في سنام الناقة؟!
من ميزات الدب القطبي أنه يستيقظ من سباته الشتوي بقدرة عالية على استيعاب معطيات البيئة المحيطة والتكيف مع شح الموارد، تماماً كما تفعل الجمال في صحاري الشرق الأوسط عبر اختزان الدهون في سنامها—وليس الماء كما يعتقد المفهوم الشائع—لصناعة قدرة استثنائية على الصمود الطويل. في الجيوسياسية المعاصرة، يُمثّل هذا التباين بين "مرونة الدب" و"صبر الجمل" مدخلاً لفهم التحركات الاستراتيجية للدب الروسي في الشرق الأوسط وإفريقيا، مستغلاً تحولات السياسة الأمريكية وتقلباتها بين الإدارات المتعاقبة.
يمر النظام الدولي بمرحلة إعادة تشكيل وتوازن هندسي؛ إذ تشهد خريطة التحالفات في الشرق الأوسط وإفريقيا ديناميكيات متسارعة تُعيد تعريف مفهوم "الحليف الموثوق". لم تعد واشنطن تؤدي دور الضامن الأمني الأوحد بثبات، بينما تتحرك موسكو وبكين بنهج براغماتي صلب للاستحواذ على الفراغات الجيوسياسية التي تخلفها الانقسامات الداخلية والتردد الصريح في الإدارات الأمريكية متعاقبة التوجهات.
استعادة الثقة: من عقدة السقوط السوفيتي إلى الحضور الشامل
شَكّل التدخل العسكري الروسي في سوريا نقطة تحول استراتيجية غيرت الانطباع التاريخي المحفور في الذاكرة الجيوسياسية منذ نهايات الحرب الباردة. لطالما ارتبطت صورة موسكو في أذهان حلفائها بالتخلي عنهم في لحظات التحول الحاسم، كما حدث عند سقوط نظام صدام حسين في العراق، أو انهيار نظام معمر القذافي في ليبيا، أو خلال تفكك يوغوسلافيا؛ حيث وقفت روسيا موقف المتفرج عاجزة عن صياغة ردع موثوق أمام نفوذ حلف شمال الأطلسي.
في الجغرافيا السورية، اتخذت موسكو مساراً مغايراً تماماً؛ إذ قدمت دعماً عسكرياً وسياسياً شاملاً لتثبيت نظام حليفها، لتثبت قدرتها على الاستثمار حتى النهاية لحماية موطئ قدمها. لم ينعكس هذا الحضور الميداني المكثف في تثبيت القواعد العسكرية برّاً وبحراً فحسب، بل تحوّل الميدان إلى منصة اختبار حية وتطوير لمئات المنظومات العسكرية الحديثة، مما رفع كفاءة التسليح الروسي وزاد من جاذبيته في سوق السلاح العالمي.
تجاوزت هذه الاستراتيجية الشام لتتحول إلى نموذج عمل قابل للتصدير نحو القارة الإفريقية. إذ عملت روسيا على إعادة تموضع شملت شطب ديون تاريخية معدومة تعود إلى العهد السوفيتي لصالح الحصول على نفوذ استراتيجي، وفتح أسواق عسكرية واقتصادية جديدة، وتوقيع اتفاقيات أمنية وإنشاء حضور عسكري في دول مثل جمهورية إفريقيا الوسطى والسودان.
البراغماتية الصينية والروسية: تقاطع المصالح وتوزيع الأدوار
تعتمد الاستراتيجية الشرقية على تكامل الميزات النسبية بين القوتين:
* الصين: تركز على النفوذ الناعم والاقتصادي المتين عبر الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية وضخ عشرات المليارات في القارة الإفريقية ضمن رؤية حزام وطريق متماسكة.
* روسيا: تركز على توفير مظلة أمنية وعسكرية سريعة الحركة بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية والشروط السياسية المتعلقة بالحوكمة أو ملفات الحقوق.
هذا التكامل الاستراتيجي يستفيد بشكل مباشر من حالة الخلاف والتردد في سياسات واشنطن؛ إذ تقتنص موسكو وبكين أي فجوة في العلاقات الأمريكية مع الحلفاء التقليديين لتحويلها إلى فرص تقارب، مستفيدة من التراجع المستمر في إمكانية التنبؤ بالسلوك الأمريكي طويل الأمد.
تقلبات واشنطن: أزمة الثقة مع الحلفاء التقليديين
إن السبب الرئيسي لتآكل النفوذ الأمريكي في المنطقة لا يعود حصراً إلى صعود منافسين جدد، بل إلى التناقض المستمر في الخطاب الأمريكي بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية. هذا التباين يخلق حالة من التشتت لدى شركاء واشنطن الإقليميين؛ فعندما تتم إعادة فتح ملفات سياسية حُسمت سابقاً، أو عندما تتباطأ الإدارة في الرد على التهديدات الموجة للمصالح الحيوية وممرات الطاقة، تتراجع قناعة الحلفاء بقدرة واشنطن على توفير مظلة حماية متماسكة.
علاوة على ذلك، فإن قرار إدارة بايدن مراجعة أو تعليق بعض صفقات التسليح النوعية—مثل مقاتلات F-35 لدولة الإمارات العربية المتحدة وشحنات المساعدات العسكرية للرياض—فرَض على دول الخليج اتخاذ خيارات استراتيجية أكثر مرونة وتنوّعاً. فالرياض وأبوظبي، بقيادة واعية لمتطلبات المستقبل واقتصاديات المعرفة، لا تسعيان للقطع مع واشنطن، بل تعتمدان مبدأ "تعدد الشركاء" للحفاظ على المصالح الوطنية العليا وتأمين استقرار الإقليم.
لا تقف أزمة الثقة عند حدود الشرق الأوسط؛ بل تمتد آثارها نحو حلفاء واشنطن في شرق آسيا وأوروبا—من كوريا الجنوبية واليابان والهند إلى العواصم الأوروبية—الذين يراقبون مدى جدية التزامات واشنطن الأمنية في ظل التصاعد الجيوسياسي المحتدم.
هندسة التوازنات الجديدة
تُظهر أدبيات التحليل الاستراتيجي المستندة إلى المنطق العقلاني أن الدول الرئيسية في المنطقة لن تظل رهينة لمنظومة أمنية أحادية الخيار. إن استخدام حلفاء المعسكر الشرقي لأوراق الضغط الإقليمية بأساليب غير مباشرة لا يهدف بالضرورة إلى إشعال صراع مفتوح، بل إلى إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار كفيلة بإبراز عجز التعهدات الأمريكية التقليدية.
أمام هذا الواقع، يتوجب على صناع القرار في البيت الأبيض إعادة تقييم ترتيب الأولويات. لن يتحقق الاستقرار العريض من خلال الضغط على الشركاء الحقيقيين أو فتح جبهات نقد سياسي استقطابي، بل عبر إعادة بناء الثقة الهيكلية مع القوى الإقليمية المحورية—وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية—والتعامل مع التحولات الشرقية بمنطق عقلاني يدرك أن "الدب" لن يتوقف عن البحث عن موطئ قدم جديد، طالما بقيت مساحات الفراغ مفتوحة أمامه.
Comments
Post a Comment