جملة الشعب المفقودة!!!

معضلة الشرعية والتركيب الهيكلي: قراءة تحليليّة في الهندسة الدستورية الأردنية وأزمة الحوكمة
تعدّ المسألة الدستورية النقطة المفصلية التي تتحدد بناءً عليها النجاعة المؤسسية ومدى كفاءة الحوكمة في الدولة الحديثة. عند تقصّي النماذج الدستورية عالمياً، يبرز فارق بنيوي بين مفهومين للشرعية: الشرعية التعاقدية القائمة على الإرادة الشعبية الصريحة (المتمثلة في الديباجات الدستورية الديمقراطية التي تنطلق من مبدأ "نحن الشعب")، والشرعية التراتبية أو التأسيسية الفوقية التي تُستمدّ فيها السلطة من تفويض ديني أو سلطوي حتمي.
إنّ انعكاس هذا الفارق البنيوي لا يقتصر على الجانب النظري أو الشكلي، بل يمتدّ ليشكل آليات عمل السلطات، وآليات الرقابة، والمحددات القانونية للفصل بين السلطات.
أولاً: الهندسة الدستورية المركبة ومأزق التكيف الهيكلي
يُصنف الدستور الأردني لعام 1952، الذي أُقرّ في عهد الملك طلال بن عبد الله، بوصفه وثيقة تقنية متقدمة في سياقها التاريخي؛ إذ مزج بين تقاليد النظام البرلماني العريق (المستوحى من النموذج Westminster البريطاني) وبعض المبادئ التوجيهية ذات الطابع النمساوي والفرنسي. غير أنَّ هذا التلفيق الهيكلي أنشأ ما يمكن وصفه بـ "التنافر الدستوري"؛ إذ تمّ تركيب مفاهيم مسؤولية الحكومة أمام البرلمان فوق بنية تنفيذية تمارس صلاحيات واسعة ومطلقة عبر السلطة التقديرية للتشريعات الفرعية والأنظمة.
في المنهج التحليلي المؤسسي، تؤدي هذه الحالة إلى جعل المواد التشريعية غير متكاملة بأسلوب الهرم المتجانس؛ فالمادة لا تعتمد بالضرورة على ما يسبقها أو يليه ضمن تسلسل منطقي محكم، بل توجد ثغرات تسمح بالتأويل المراوغ. ونتيجة لذلك:
 * إضعاف آليات المحاسبة: تُصبح القضايا المتصلة بالتغول على المال العام محكومة بنصوص إجرائية مطاطة، تتيح للفاعلين الإداريين والمؤسسيين التنصل من المسؤولية القانونية المباشرة، رغم ثبوت أدلة الفساد في التقارير الرقابية كتقارير ديوان المحاسبة.
 * انزياح الرقابة نحو الشارع: في ظل ضبابية الرقابة البرلمانية الناجمة عن عدم تكامل البنية الدستورية، يتحول الفضاء العام إلى ساحة للتسريبات والإشاعات. وتتحول أدوات الانتقام السياسي والمؤسسي إلى ما يُعرف بـ "إغتيال الشخصية"، كبديل رديء لغياب الشفافية المؤسسية المنظمة.
ثانياً: الفواجع المجتمعية وأزمة إدارة المخاطر المؤسسية
تتضح نتائج هذا الخلل البنيوي عند وقوع الأزمات الكبرى التي تختبر كفاءة أجهزة الدولة، مثل الحادثة الأليمة لفاجعة البحر الميت، والتي راح ضحيتها 21 شخصاً (غالبيتهم من طلبة المدارس نتيجة السيول الساحبة).
من الزاوية التحليلية الحقوقية والمؤسسية، لا يمكن اختزال تلك الفاجعة في مجرد "تقصير إداري فردي" أو ظروف جوية استثنائية، بل هي نتاج تراكمي لضعف إنفاذ معايير السلامة العامة وفقدان التنسيق بين الوزارات المعنية (كالتربية والتعليم، والمياه والري، والأشغال العامة، والدفاع المدني). إن التداخل في الصلاحيات والإفراط في التهرب من المسؤولية القانونية يعكسان غياب المساءلة الصارمة المقيدة بنصوص تعاقدية واضحة.
وعلى الرغم من تشكيل لجان تحقيق وزارية ونيابية أدت استقالة وزيري التربية والتعليم والسياحة حينها إلى تهدئة الشارع، إلا أن الأزمة أظهرت حاجتنا الماسّة إلى إعادة هيكلة آليات الحوكمة وإدارة المخاطر على نحو يكفل عدم تكرار مثل هذه الكوارث.
ثالثاً: التجاذب مع الحركة الإسلامية وحدود الحوار المدني
يمتد آثار المأزق الدستوري والتنظيمي إلى إدارة المجال العام والحريات الفكرية والمدنية. وتتجلى هذه الأزمة في اتخاذ قرارات حظر أو إلغاء للفعاليات الثقافية والفكرية، مثل قرار منع عقد مؤتمر مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" في عمان.
إن استخدام الأدوات القانونية والإدارية لمنع النظريات والأفكار الفلسفية غالباً ما يأتي استجابةً لضغوط تمارسها القوى التقليدية والحركات الدينية الشعبوية، وفي مقدمتها جبهة العمل الإسلامي (الذراع السياسي للإخوان المسلمين في الأردن). وفي التغطيات الإعلامية التي تناولت القضية، برزت خطابات تحايلية تستغل الوازع العاطفي والديني للمجتمع لتبرير تقييد حريات التعبير والتفكير، بينما غاب الحوار الموضوعي القائم على الحجة والدليل.
إن غياب ممثلي التيارات الفكرية ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن منصات النقاش العمومي يحرم الدولة والمجتمع من بناء التوازن المطلوبة بين مبادئ سيادة القانون والحفاظ على الاستقرار المجتمعي، ويؤدي بالتالي إلى تعطيل الحوار الوطني المستدام.
رابعاً: نحو أفق جديد للشرعية والحوكمة
إن تجاوز حالة الانسداد السياسي والارتباك الإداري يتطلب إحداث تحول بنيوي يمس جوهر الأركان المؤسسية للبلاد، والانتقال من المزيج الهيكلي الراهن إلى نموذج تعاقدي صريح.
على صعيد مصدر التشريع، يستلزم ذلك الانتقال من الصبغة المزدوجة التوفيقية بين الأبعاد الوضعية والدينية إلى إطار مدني حديث يستند مباشرة إلى الحقوق الأساسية ويكفل رفاه المواطن. أما في جانب المساءلة المالية، فالمطلوب سد الثغرات التشريعية والتداخلات التنفيذية لبناء نظام رقابة برلمانية وقضائية حازمة ومستقلة تماماً.
وفيما يخص إدارة الأزمات، يجب التخلي عن النهج الانفعالي القائم على ردود الأفعال وتحميل المسؤوليات للشخصيات الفردية، والاستعاضة عنه بحوكمة استباقية ومؤسسية تعتمد التخطيط وإدارة المخاطر. أخيراً، يتطلب المجال العام تحولاً جذرياً يسحب البساط من هيمنة الخطاب العاطفي والديني، ليفتح الفضاء أمام حوار عقلاني منفتح ومستنير يثري المجتمع ويحمي تنوعه.
إن التحول نحو ديمقراطية دولة القانون والمواطنة الكاملة وإصلاح البنية الدستورية لتكون عقداً اجتماعياً شفافاً هما السبيل الوحيد لحماية المال العام، وضمان كفاءة مؤسسات الدولة، وتوفير البيئة الحرة للفكر والابتكار، بما يستعيد ثقة الشارع ويؤسس لدولة راسخة تضع مصلحة المواطن الأردني في صلب أولوياتها.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

The Resident Power Paradox: A Critical Analysis of France’s Indo-Pacific Strategy