سوسيولوجيا الهوية الوطنية: الأردن كـ «خزان حضاري» في مواجهة الاستقطاب الأيدولوجي

تكشف السجالات السياسية والثقافية المتكررة في المجال العام الأردني عن أزمة إبستمولوجية عميقة في فهم ماهية «الهوية الوطنية». وتتجلى هذه الأزمة في الممارسة السياسية لبعض التيارات التقليدية، وعلى رأسها حزب جبهة العمل الإسلامي، التي تنتهج غالباً استراتيجيات براغماتية تعتمد على التجييش التعبوي والضغط الشارعي لتحقيق مكاسب سلطوية وتنسيق التعيينات الحكومية وفق أصولية فكرية. وكان السجال الذي رافق استقالة وزيرة السياحة والآثار السابقة، السيدة لينا عناب—إبان الحادثة الأليمة للبحر الميت وتداعياتها السياسية—نموذجاً صارخاً لكيفية تحويل الأزمات الإدارية إلى منصات للاستقطاب الهوياتي.
إن الخطورة لا تكمن في النقد السياسي المشروعي للإدارة الحكومية، بل في الاستخدام الأدواتي للتعبئة العقائدية التي تختزل التاريخ الأردني في مرحلة أيدولوجية واحدة، مستبعدة العمق الحضاري الممتد لآلاف السنين.
ظاهرة التجييش العقائدي: تقاطعات الممارسة في الفضاء الإقليمي
تتصل الاستراتيجيات التجييشية القائمة على التجهيل الاجتماعي بظواهر إقليمية أكثر راديكالية شهدتها المنطقة؛ حيث يُستغل الفراغ المؤسسي لنفي الآخر الحضاري. ويمكن قراءة هذه الممارسة عبر مشاهد تاريخية تقاربية:
 * المشهد الليبي: إبان انهيار الدولة عقب الإطاحة بنظام معمر القذافي، اندفعت مجموعات متطرفة نحو تدمير الأضرحة والمقابر والمقدسات التاريخية تحت شعارات «استكمال الدين»، في حالة من العدمية الحضارية التي رافقها تحريض خارجي وتوظيف سياسي عابر للحدود.
 * الظاهرة السلفية واستئصال الفن: تجسدت في محاولات طمس المعالم الفنية والتاريخية—كمثال الاعتداءات على التماثيل والنوافير العريقة في دول المغاربة من قبل جماعات ادعت حماية «الفضيلة»—حيث تم تحريف المفهوم الجمالي وتحويله إلى بؤرة للصراع العقائدي.
تُظهر هذه النماذج كيف يؤدي اختزال الوعي التاريخي وإقصاء التعددية إلى تحلل النسيج الاجتماعي، وهو السلوك الذي تحاول التيارات الأصولية إعادة إنتاجه محلياً بأساليب سياسية ناعمة.
التفكيك العلمي لسردية «النقاء الأيدولوجي»
تعتمد السرديات الإقصائية على تجاهل الحقائق التاريخية والأركيولوجية الصريحة التي تؤكد أن الأردن لم يكن يوماً مجرد هامش جغرافيا، بل كان «خزاناً حضارياً» متراكماً تتشكل هويته الجامعة من روافد أساسية عدة:
 * العمونية والأنباط والجذور السامية: تشير المعطيات اللغوية والأركيولوجية إلى أن الأنباط استعملوا اللغة الآرامية في النقوش الرسمية والتجارية مع الاحتفاظ بلغتهم الأم القريبة من العربية المبكرة. وكان تنوعهم الديني والفكري واضخاً؛ إذ تتجلى واجهات السيق والمدينة الوردية بالنقوش والمعالم التي تمثل الآلهة القديمة مثل «اللات» و«العزى» و«ذو الشرى». كما قامت مملكة عمون (ربة عمون) على أسس حضارية سامية أزهرت في الألفية الأولى قبل الميلاد، وشكلت مع الممالك الموآبية والأدومية العصب التاريخي للجغرافيا الأردنية.
 * التراث الكلاسيكي الروماني والإغريقي: تعكس المعالم الشاخصة في جرش والمدرج الروماني في عمان الهوية التعددية للمنطقة التي احتضنت حلف «الديكابوليس» (Decapolis)، حيث تمازجت الثقافة الهيلينستية بالروح المحلية لتشكل رافداً حضارياً لا يمكن تجاهله.
 * الإرث المسيحي والإسلامي والنهضة الوطنية: يمثل نهر الأردن مركزاً لتعميد المسيح في التاريخ اللاهوتي العالمي، كما تعكس خارطة مادبا الفسيفسائية—الموجودة في كنيسة القديس جورج (مار جرجس) وليس كنيسة الرسل—أحد أقدم المخطوطات الجغرافية للجغرافيا المقدسة في العالم. ويأتي التراث الإسلامي ليتوج هذا العيش المشترك، حيث تم الانعتاق الحضاري واستعادة الهوية العربية والإسلامية في المنطقة عبر تفاعل أبناء هذه الأرض ومشاركتهم الفاعلة في مشروع النهضة والتحرر (كالثرورة العربية الكبرى).
نحو مانيفستو للتنوع: الشروط المطلوبة لراسم السياسات الثقافية
إن حقيبة السياحة والآثار—أو أي موقع قيادي يشكل الوعي العام—ليست مجرد موقع إداري، بل هي منصة حماية للذاكرة الوطنية. وبالتالي، فإن المسؤول عن هذا الملف يجب أن يستوعب التركيبة المركبة للمجتمع الأردني:
 * الإيمان بالتعددية: استيعاب التداخل بين الثقافات العربية، والسامية، والآرامية، والأرمنية، والشركسية، والشيشانية، والبدوية.
 * السيادة الوطنية العابرة للأيدولوجيا: التعامل مع التراث الإنساني الوطني كملك عام للمواطنين، غير قابل للتجزئة أو الانتقائية العقائدية.
 * الترسيخ العقلاني للمواطنة: الانتقال من مفهوم «الدولة الريعية للرموز» إلى مفهوم «المواطنة الجامعة» التي ترتكز على مبادئ الليبرالية الوطنية، حيث يلتقي التنوع الديني والثقافي تحت مظلة القانون وسيادة الدولة.
إن حماية المستقبل الأردني تتطلب القطع مع استراتيجيات التجييش العاطفي، والذهاب نحو قراءة علمية تاريخية تعترف بجميع مكونات هذه الأرض، ليبقى الأردن دائماً خزاناً يتسع للجميع ولا يختزل في لون واحد.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban