تفكيك الـ "يهودوفوبيا" و"الغربفوبيا" في المشرق العربي: تعيين رينيه الطرابلسي ونقطة التحول التونسية
بقلم: ميّار شحاده
(مُنشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2018)
تظلّ المسألة اليهودية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إحدى أكثر القضايا العالقة في مربع التوظيف الأيديولوجي، حيث تداخلت الخصومات التاريخية مع الحسابات السياسية الحديثة لتُنتج حالة مستدامة من التوجس الهيكلي؛ حالة يمكن تفكيكها تحليلياً عبر مفهومي "اليهودوفوبيا" و"الغربفوبيا". ولعل القرار السياسي الذي اتخذته القيادة التونسية بتعيين رجل الأعمال اليهودي التونسي رينيه الطرابلسي وزيراً للسياحة يشكّل محطة فارقة للقطع مع هذه السردية السائدة، واختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة المغاربية على ممارسة السيادة البرغماتية المتجاوزة للعاطفة الأيديولوجية.
التباين المفهومي والتاريخي: المشرق والمغرب
عند قراءة الخارطة الديموغرافية والسياسية للوجود اليهودي في العالم العربي، يتبدى فوراً فارق هيكلي بين التجربتين المغاربية والمشرقية. تاريخياً، شكّل اليهود في الشمال الأفريقي (المغرب، تونس، الجزائر، وليبيا) مكوّناً مجتمعياً واقتصادياً أصيلاً لم يستأصل جذرياً، وظل محتفظاً بالحد الأدنى من الحضور الديني والجامعي حيال التحولات السياسية الكبرى. وفي المقابل، شهد المشرق العربي (سوريا، العراق، لبنان، وفلسطين) تفكيكاً شبه كامل للمجتمعات اليهودية التاريخية عقب حرب عام 1948 وتصاعد الخطاب القومي والديني الراديكالي.
يرجع هذا التباين إلى العوامل الفكرية التي صاحبت حركة النهضة والتسييس في المشرق. فبينما كانت أطروحات الجماعات الإسلامية والأيدولوجيات القومية في المشرق تُسقط الصراع الجيوسياسي الحديث مع إسرائيل على التاريخ اليهودي المبكر (استحضار صدامات الصدر الإسلامي في الحجاز)؛ ظلت البيئة المغاربية أكثر قدرة على التمييز بين المواطنة المحلية والجيوبوليتيك الإقليمي، وإن تذبذبت هذه القدرة باختلاف الأنظمة المتعاقبة.
الهجرة الصهيونية وتفكيك المركزية العثمانية
إن قراءة المسار التأسيسي للقيادات الصهيونية، ومنهم دافيد بن غوريون وإسحاق بن تسفي، تكشف عن درجة من التعقيد التاريخي التي غالباً ما يُسقطها الخطاب التبسيطي. فقد سعت الجماعات اليهودية القادمة من الإمبراطورية الروسية وشرق أوروبا خلال أواخر العصر العثماني إلى استغلال الفراغات الإدارية والقانونية في ولايات السلطنة. ومع قيام حركة "الاتحاد والترقي" وإعادة هيكلة الإمبراطورية العثمانية في أواخر أيامها، حاول بعض قادة العمل الصهيوني في مرحلة بكر الاستفادة من التعليم والمؤسسات العثمانية (كما في تجربة دراسة القانون في إسطنبول)، إلا أن الاصطدام الشديد بين المشروع الصهيوني الاستيطاني والتحفظ العثماني بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني سرعان ما دفع هذه الحركة للتحالف مع القوى الاستعمارية الغربية الكبرى.
وعندما انفرط عقد الدولة العثمانية، اندلعت ثورات ونزاعات استقلالية متعددة الأعراق والقوميات في المشرق والعراق والشام. ولم تكن تلك التغيرات مجرد صراع ديني تقليدي، بل كانت تحولاً بنيوياً نحو الدولة القومية. لكن غياب مشروع ليبرالي يعتمد المواطنة الشاملة في المشرق سمح للتيارات الراديكالية بالصعود، مما أدى لتهجير وعزل المكونات الدينية والأثنية وتحديداً المكون اليهودي المشرقي، متسببين في خسارة رأس مال بشري وثقافي واقتصادي هائل.
اختبار الدولة الوطنية: حالة تونس ورينيه الطرابلسي
تأتي الخطوة التونسية بتعيين رينيه الطرابلسي—وهو رجل أعمال ينحدر من جزيرة جربة ذات التراث اليهودي الضارب في القدم والمدير لشركات سياحة وطيران ومؤسسات رحلات في أوروبا—لتضع الإدارة السياسية التونسية أمام استحقاق مهني بحت.
تتضح الإيجابيات الاستراتيجية لهذا القرار في ثلاثة محاور:
الكتلة الاقتصادية والمهنية: تعاني السياحة التونسية من تداعيات الأزمات الأمنية والسياسية التي تلت أحداث 2011. وتنسجم الاستعانة بشخصية ذات ثقل في شبكات السياحة والأعمال الأوروبية مع العقلية البرغماتية، حيث تمس الحاجة إلى إدارة قطاعية تعتمد على آليات السوق والروابط الدولية بدلاً من التعيينات الأيديولوجية.
فك الارتباط بين المواطنة والجيوبوليتيك: يمثل القرار ضربة موجهة لمفهوم الـ "يهودوفوبيا" السياسية، حيث يُميّز بوضوح بين المواطن التونسي المخلص لدولته وبين سياسات الشرق الأوسط، مما يُرسخ مبدأ المواطنة الدستورية الحديثة.
الرسائل السياسية للدول الغربية: تُرسل تونس عبر هذا التعيين إشارة واضحة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تفيد بالتزامها بالقيم الليبرالية والتسامح التعددي، وهو ما يخدم ملفاتها الاقتصادية والدبلوماسية في المحافل الدولية.
في المقابل، يتجلى الجانب النقدي في قوة الارتداد الأيديولوجي الذي أحدثه القرار داخل القواعد الشعبية والحركات المحافظة والإسلامية. فقد واجه التعيين هجوماً حاداً اتهم الطرابلسي بـ "العمالة" أو "ازدواجية الولاء"، مما يكشف عن هشاشة البنية الثقافية والمفهومية لدى فئات واسعة من الخطاب السياسي العربي، وعجزها عن الفصل بين الهوية الدينية والواجب الوطني للمواطن.
خلاصة تحليلية
إن مواجهة الـ "يهودوفوبيا" والـ "غربفوبيا" لا تتطلب خطابات إنشائية أو اعتذارية، بل تتطلب قرارات شجاعة تعيد ترميم العقل السياسي العربي على أسس ليبرالية وعلمية صارمة. القرار التونسي، رغم ما يواجهه من ضغوط واستقطاب، يظل خطوة عملية نحو تخطي الهواجس الأيديولوجية وتأكيد سيادة الدولة الوطنية القائمة على الكفاءة وحكم القانون. إن نجاح تجربة رينيه الطرابلسي في إدارة ملف السياحة سيمثل برهاناً ساطعاً على أن البرغماتية الاقتصادية والمواطنة التعددية هما المخرج الوحيد للدول المحورية من أزمات الهوية والانكفاء الحضاري.
Comments
Post a Comment