توظيف الأزمات الإقليمية وديناميكيات الخطاب السلطوي: قراءة في الممارسة البراغماتية لأنقرة

يُمثل المشهد السياسي الإقليمي في الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لتضارب المصالح وإعادة تشكيل التحالفات؛ إذ تبرز الأزمات الاستثنائية كأدوات اختبار حقيقية لمدى جودة ودقة القراءة التحليلية للمشهد الاستراتيجي. وفي هذا السياق، تطرح الاستجابة الإعلامية والسياسية التركية تجاه حدث اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأجندة الإقليمية التي تقودها أنقرة، والأساليب التي تنتهجها القوى الإسلامية السياسية للتعاطي مع التحولات الناشئة في المنطقة.
توظيف الأزمة والبرنامج البراغماتي
عند اندلاع الأزمة، سارعت المنظومة الإعلامية المرتبطة بالحزب الحاكم في تركيا—حزب العدالة والتنمية—إلى استغلال الحادثة ضمن استراتيجية موجهة لم تعكس بالضرورة الحرص على مبادئ حقوق الإنسان قدر انعكاسها لرغبة جادة في فرض الهيمنة الاستراتيجية. وقد تزامنت هذه الممارسة مع صعود موجة إصلاحية وشبابية يقودها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تمثلت في مشروع تنويري يهدف إلى تجفيف منابع الأصولية وإعادة هيكلة الخطاب الديني والاجتماعي في المملكة.
إن هذه التحولات التنويرية شكّلت تحدياً مباشراً للمشروع الإيديولوجي الأصولي الشامل الذي تبنّته جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين. ومن هذا المنطلق، تحول التعاطي الإعلامي—وبخاصة من منافذ إقليمية كقناة "الجزيرة"—من التغطية المهنية إلى توظيف القضية كأداة ضغط سياسي مستمر، مع إغفال تام لخطورة التهديدات الواقعية التي تمثلها التنظيمات المتطرفة مثل "داعش" و"القاعدة"، والتغاضي عن مخاطر خطاباتها المباشرة.
ولم يتوقف هذا التوظيف عند حدود الإعلام، بل امتد إلى المحاولات الخطابية لتطوير الأزمة نحو أبعاد سياسية استراتيجية، تمثلت في إشارات أنقرة المتكررة حول مسألة "تدويل إدارة الحرمين الشريفين". ومما يثير الانتباه أن هذا الطرح لم يلقَ أي قبول أو تأييد من الدول الإسلامية الكبرى ذات الوزن الديمغرافي والسياسي، مثل إندونيسيا، مما يكشف المدى البراغماتي المقيت للخطاب السلطوي التركي المحسوب على تيار "العثمانية الجديدة".
التعبئة الإيديولوجية وتناقضات المؤسسة الدينية
على الصعيد الموازي، جرى تحريك الآلة الإيديولوجية التابعة لجهات رسمية وأهلية متماهية مع هذا الطرح، وفي مقدمتها هيئات مثل "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"—الذي ظل تحت قيادة يوسف القرضاوي لقرابة ربع قرن دون أي تدوير يذكر للسلطة—حيث سادت مفاهيم مزدوجة تتغنى بالديمقراطية إعلامياً وتخالفها ممارسةً وتنظيماً.
وقد تجلّى ذلك أيضاً في الخطاب الصادر عن رئاسة الشؤون الدينية التركية ("ديانت")، والذي اتسم باتهامات موجهة حَصرياً نحو الخارج، وتأطير جميع التحديات الداخلية كجزء من "مؤامرة غريبة" تستهدف الهوية. وفي مقابل هذا الشحن المعنوي، جرى إغفال القضايا الحقوقية الداخلية والانتهاكات الموثقة التي طالت أطيافاً عريضة من المجتمع التركي.
الانتهاكات الداخلية وإزدواجية المعايير
تكشف نظرة موضوعية على الواقع الداخلي لتركيا عقب أحداث محاولة الانقلاب وجود فجوة حادة بين الشعارات المرفوعة والممارسة الواقعية:
 * حملات التطهير الإداري والاحتجاز: شملت عمليات الإبعاد القسري والاعتقال عشرات الآلاف من الموظفين والأكاديميين، وتمتد لتطال مئات النساء والأمهات المصحوبات بأطفالهن، تحت ذريعة مكافحة ما يُسمى بـ "حركة الخدمة" التابعة لفتح الله غولن.
 * الملف الكردي والشمال السوري: التغاضي عن ملف الحقوق السياسية والمدنية للأكراد، وتداعيات العمليات العسكرية التركية في الشمال السوري التي سمحت بتوازنات معقدة وغامضة مع قوى متطرفة غرب نهر الفرات، ضمن مناورات براغماتية مع التحالف الإيراني-التركي.
 * الملفات المالية المعقدة: تثير قضايا الفساد المالي الدولي، مثل قضية رجل الأعمال الإيراني-التركي رضا ضراب وتورط مؤسسات مالية مثل "خلق بنك" (Halkbank) في شبكات التفاف على العقوبات وغسيل الأموال، تساؤلات عميقة حول مدى نفاذ سلطة القانون واستقلالية القضاء في مواجهة شبكات النفوذ والمافيا ذات العلاقة بالدوائر السياسية.
 * استهداف حرية الصحافة: يُشكل استهداف الصحافة المستقلة، كما حدث مع المحرر السابق لصحيفة "جمهوريت" جان دوندار—الذي تعرض لمحاولة اغتيال أمام محكمة إسطنبول في مايو 2016 عقب كشفه ملفات نقل السلاح إلى سوريا—دليلاً ساطعاً على الضغوط الممارسة ضد الخطاب المعارض. وقد دفعت هذه المؤشرات الخارجيةَ الألمانية للتحذير الرسمي للمواطنين والصحفيين من مخاطر التعبير عن الآراء المعارضة عند زيارة تركيا.
خاتمة تحليلية
إن قراءة المشهد بعين تحليليّة وباردة تؤكد أن الموقف التركي تجاه أزمة خاشقجي لم يكن صرخة دفاع عن حرية الصحافة ولا موقفاً مبدئياً تجاه الحقوق والإنسان، بل تحركاً استراتيجياً مدروساً لعرقلة مشروع التحديث والتنوير في الخليج العربي، واستثمار الأزمة لتعزيز التمدد النفعي والإيديولوجي.
إن المطالبة بالحقوق والعدالة لا تقبل التجزئة؛ ولا يمكن لمن يمارس القمع الداخلي وينتهك استقلال المؤسسات القضائية والإعلامية أن يقدّم نفسه كراعٍ للعدالة الإقليمية أو ناطقٍ باسم القيم الإنسانية.

Comments

Popular posts from this blog

هل نحن جاهزين لعالم صوفيا؟!

The Traffic Light Coalition in Berlin: Structural Revolution or Pragmatic Balancing Act?

Between Deobandism and Salafism: A Geopolitical and Jurisprudential Anatomy of the Taliban