الكرة السوداء رقم (٨) الملغومة: حين تُدار الجيوسياسة بمنطق المراهنة الشعبوية
تتجه الأنظار نحو انتخابات منتصف الولاية للكونغرس الأمريكي بوصفها نقطة مفصلية لا تقتصر أهميتها على تحديد خريطة التوازنات التشريعية في واشنطن، بل تمتد لتكشف عن عمق الأزمة الهيكلية التي تعتري الخطاب المحافظ وتطبيقاته التنفيذية. إن القراءة المتأنية للتحركات الأخيرة للإدارة الأمريكية تكشف عن تناقض بنيوي حاد بين البلاغة الشعبوية ذات الحمولات العاطفية، وبين إكراهات الواقع الاقتصادي والجيوسياسي الدولي الذي يخضع لقوانين صارمة لا تعترف بالانفعالات أو الشعارات الحشدية.
تجلت هذه المفارقة بشكل واضح في التعاطي المعقد مع ملف العقوبات النفطية على إيران؛ حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب امتلاك واشنطن القدرة على شلل صادرات النفط الإيرانية بالكامل وهدم بنيتها الاقتصادية، مبرراً تراجعه الموقت والجزئي بمنع حدوث صدمة في أسعار الطاقة العالمية قد تضر بالأسواق. غير أن التفكيك التحليلي الرصين لهذا التصريح يظهر حقيقة مختلفة تماماً؛ فالإدارة اضطرت لمنح إعفاءات مؤقتة لثماني دول من كبار المشترين للنفط الإيراني ليس استجابةً لمرونة سياسية ومراعاة حذرة، بل تحت ضغط معادلات السوق وتخوفاً من قفزات خنق السلع الأساسية والتضخم التي قد تؤذي المستهلك الأمريكي عشية الاستحقاق الانتخابي.
إن هذا النمط من المانوية السياسية واستعراض القوة المعلق يعكس استخدام الجيوسياسة كأداة تعبئة حشدية، وهو ما يذكر بلعبة البلياردو: إقحام "الكرة السوداء رقم ٨" في منتصف اللعبة للمراهنة والمناورة السريعة، رغم أن أي خطأ غير محسوب في توقيت تحريكها قد يؤدي إلى خسارة الطاولة بأكملها. إن الاعتماد على هذه المراهنات غير المحسوبة يهدد باستنزاف أوراق الضغط الاستراتيجية للدولة الوطنية لصالح مكاسب حظرية قصيرة المدى.
ومن منظور فلسفي ونقدي، لا تتوقف خطورة هذا الخطاب عند حدود التكتيك الاقتصادي، بل تمتد لتغريب المقاربة العقلانية القائمة على البيانات والأدلة في إدارة السياسة الدولية. وكما أشار المفكر الفيلسوف نعوم تشومسكي، فإن الخطاب الشعبوي اليميني يتعمد تقديم إرشادات تبسيطية مضللة تُغفل الأرقام والبيانات الصلبة، بهدف إقناع القواعد الشعبية بوجود حماية سياسية واقتصادية لهم، بينما تؤدي هذه السياسات في الواقع إلى خفض الضوابط التنظيمية وخدمة أصحاب رؤوس الأموال على حساب الطبقة الوسطى والعمالية. إن تزييف الحقائق أو الالتفاف عليها لا يمثل مجرد خديعة انتخابية عابرة، بل يضرب مفهوم الشرعية الديمقراطية القائمة على التنوير والتفكير المستقل.
وفي هذا السياق، يأتي تأكيد الرئيس السابق باراك أوباما خلال مشاركته في الحملات الانتخابية لدعم الديمقراطيين حين حذر من أن "الديمقراطية تتوقف عن العمل عندما تفقد الحقيقة قيمتها". إن النفعية السياسية التي تستغل شحن المشاعر وتأطير الهويات المتقاطعة تستهدف تقويض بيئة الحوار العقلاني. إن خطورة الانجراف خلف المظاهر والشعارات الحماسية تتجسد في إقصاء العقل المنطقي والمؤسسي لصالح الانفعال الفردي، مما يفرغ القيم الليبرالية ونظم المساءلة من مضمونها الأخلاقي والتنفيذي.
بالنظرة الموضوعية، يُحسب للخطاب الشعبوي قدرته الاستثنائية على التقاط مظالم الطبقات العمالية وتحريك الجموع الغاضبة ضد البيروقراطية المؤسسية والتكنوقراطية المغلقة التي ابتعدت عن احتياجات الشارع الحقيقية. غير أن السلبية البنيوية القاتلة تكمن في غياب البدائل العلمية الاستراتيجية لدى هذا الخطاب؛ إذ يستعيض عن بناء المؤسسات بتقديم حلول شعبوية قصيرة المدى تؤجل الأزمات ولا تحلها. إن إدارة القضايا الكبرى—من توازنات أسواق الطاقة الدولية إلى حماية المؤسسات الديمقراطية—تتطلب صرامة تحليلية مرنة تعتمد على الأدلة والبراهين الصريحة، بعيداً عن أوهام السيطرة المتبجحة أو الانقياد خلف الشحن العاطفي.
Comments
Post a Comment